10/11/2011

حالة مرضية

حالة مرضية ( كاملة )

1- جلس ينتظر فى عيادة الطبيب محاولاً قدر الامكان تجنب الوجوه المحيطة به , أخرج هاتفه المحمول و أخذ يعبث فيه محاولاً القضاء على الوقت ريثما يأتى دوره.

أخرجه من شروده صوت الممرضة تأذن له بالدخول فقام متحاشياً النظر الى وجهها قدر الامكان و رفع عينيه عن الأرض قليلاً ليرى طريقه و طرق باب غرفة الطبيب ثم فتحه و دخل.

طالعه الطبيب مرحباً فحاول أن يتفادى النظر اليه هو الاخر و لكنه لم يستطع فنظر الى وجهه مباشرة, ابتسم استهزاءاً و الماً فقد اعتاد هذا الأمر كلما نظر الى وجه أحد.

طلب منه الطبيب أن يجلس مسترخياً على السرير الممد بالغرفة و سأله عن نوعية الموسيقى التى يفضلها فأجابه ببرود.

قام الطبيب من كرسيه و غير من اضاءة الغرفة الى اضاءة هادئة و سرعان من انبعث من مكان ما لا يراه بالغرفة صوت موسيقى مطربته المفضلة فهدأت أعصابه و شعر بالرغبة فى النعاس خصوصاً مع دفء درجة حرارة غرفة الطبيب الذى كان جسده يحتاج اليه للهروب من برودة الجو فى الخارج.

تركه الطبيب هكذا لمدة لا تقل عن خمسة دقائق و بدأ الطبيب فى مراجعة الاستمارة التى ملأها قبل دخوله الى غرفته و التى دون فيها كل بيانته بدقة شديدة.

بدأ الطبيب بصوت رخيم يتلوعليه بيانات الاستمارة فى هدوء: "

هانى مجدى ...34 عام ...مطلق و لديك طفلة تدعى سارة ...تعمل مديراً للدعاية و الاعلان فى شركة كبيرة لم تذكر اسمها ...تقطن فى القاهرة الجديدة وحيداً منذ انفصالك عن زوجتك...لا تعانى من اى مشاكل صحية ...تدخن بشراهة ...تشرب الكحوليات فى المناسبات و بكميات قليلة ...لا تتعاطى أى نوع من أنواع المخدرات....تهوى السباحة و الرحلات... دخلك الشهرى يتخطى العشرين ألف جنيهاً مصرياً ..هى زيارتك الأولى لطبيب نفسى ..."

ثم صمت قليلاً و أكمل: " لماذا فكرت فى زيارة طبيب نفسى يا هانى؟ "

فتح هانى عينيه المغلقتين و نظر عالياً الى سقف الغرفة الملون بألوان هادئة و أجاب " لأننى مريض نفسى يا دكتور و مرضى من نوع خطير جداً ..."

صمت الطبيب ليعطيه فرصة أكبر للكلام و لسرد قصة مرضه و لكن هانى صمت قليلاً ثم عاد ليتكلم كمن يتحدث الى نفسه – و هو ما يريده الطبيب – بصوت منخفض و لكنه مسموع : " أذكر تحديداً بداية مرضى ...أذكر كل ما قبل مرضى جيداً كذلك..لم تكن الحياة رائعة و لكنها كانت محتملة ...أنا خريج الجامعة الأمريكية منذ 14 عام تقريباً ..سافرت بعد تخرجى الى أمريكا فانهيت دراسة الماجيسيتر فى احدى جامعتها و عدت لأفتتح شركة خاصة للدعاية و الاعلان..لم أوفق فى ادارتى للشركة فصفيتها و بدأت فى البحث عن عمل ...بعد عامين من البحث الكثيف وجدت فرصة مناسبة لما كنت أطمح اليه بشدة و هى مسئول للدعاية و الاعلان فى احدى الشركات المعروفة نوعاً ما...بدأت حياتى فى الاستقرار و بدأت فى البحث عن زوجة لاستقر تماماً ...ساعدتنى احدى زميلات العمل فى التقرب من احدى قريباتها و بالفعل وجدتها ملائمة لدرجة كبيرة من المواصفات الموجودة فى ذهنى فهى بنت من عائلة كبيرة و مرموقة و على قدر كبير من الجمال و الثقافة... لم تستمر الخطبة الا عدة شهور بعدها تزوجنا و رزقنا بسارة بعد أقل من عام على زواجنا ...عندها بدأت المشاكل الزوجية..فى البداية كانت مشاكل زوجية معتادة ثم بدأت فى التواتر و التراكم خصوصاً مع اهمالها التام لشئون المنزل و الطفلة بحجة الانغماس فى العمل ...طلبت منها أن تأخذ اجازة دون مرتب أو أن تستقيل فنحن – و الحمد لله- لسنا بحاجة الى مرتبها و لكنها رفضت و ثارت و بدأت الفجوة بيننا تزيد..لم أجد بداً من الاعتماد على نفسى لحل مشكلة المنزل من أجل الطفلة الصغيرة ...كنت أعرف بعض من زميلات عملها منذ أيام الدراسة الجامعية ...قمت بحيل و ألاعيب شيطانية من أجل أن تزداد المشاكل فى عملها و يصبح الاستمرار فيه مستحيلاً ...قاومت فى البداية و حاولت الصمود و لكن نفوذى فى شركتها كان متغللاً كما أننى قمت باغراء اولئك الزميلات بتوفير البديل المناسب لزوجتى و بمرتب أقل و كفاءة أكبر كما أننى أقنعتهم أن ما يفعلونه كان فى مصلحة الفتاة الصغيرة و الأسرة الناشئة.

أسفرت محاولاتى المتكررة عن فصلها من عملها و هو ما أصابها باكتئاب شديد لفترة ليست بالقصيرة و حاولت البحث عن عمل اخر و لكن نظراً لأن مجال عملها – الذى هو مجال عملى – مجالأً ضيقاً فقد كان من الصعب أن تحصل على عمل اخر بعد فصلها من العمل فالأمر اولاً و اخيراً يعتمد على السمعة.

هدأت الأمور لفترة بعد أن أيقنت أن فرصة حصولها على عمل شبه مستحيلة و بدأت فى الاهتمام بسارة و بالمنزل أكثر وهو ما ساعدنى على أن أركز أكثر فى عملى و أنال الترقية التى جعلت منى مديراً للدعاية و الاعلان فى كل فروع الشركة.

بلغت سارة سن المدرسة و مع دخولها الى المدرسة سارت التزامات زوجتى أقل و صار وقت فراغها أكبر و عاد اليها أمل الحصول على عمل مرة أخرى وهو ما كان يمثل لى كابوساً و بالفعل اقتربت من الحصول على فرصة جيدة فى احدى الشركات و لكنى تدخلت بقوة أكبر هذة المرة..لم يكن هناك مجالاً للتشكيك فى كفائتها الفنية أو خبرتها الأكاديمية و لم أجد بداً من أن أشكك فى شخصيتها من أجل افساد العرض المغرى ...كان عرضاً كفيلاً بهدم استقرار المنزل تماماً فمرتبها كان سيصبح يفوق مرتبى كما أن المنصب كان أعلى من منصبى و هو ما يهدد باستقرار القواعد المؤسسة للبيت ...لا تنظر الى هكذا يا سيدى! فأنت لا تعرف المرأة المصرية مثلما أعرفها ..اذا كانت نالت هذة الوظيفة لبقيت أنا أعمل مربية للطفلة فى المنزل و لصارت هى " رجل البيت " ...انها العقلية الشرقية التى أعرفها جيداً ...كان لابد من افساد هذة الفرصة و قد كان..و بعد ذلك ...."

قاطعه الطبيب لأول مرة منذ أن بدأ الكلام : " هانى ...هل من الممكن أن تخبرنى تحديداً ماذا فعلت لتفسد عليها هذة الفرصة؟ "

تنهد هانى بصوت مسموع و قال : " حسناً ...لابد و أن أخبرك بكل شىء حتى أحصل على العلاج المناسب فالحكاية الخطأ ستؤدى الى تشخيص خطأ و بالتالى الى علاج خطأ ..أليس كذلك " ؟

أجابه الطبيب بحزم " و كذلك الحكاية الناقصة ستؤدى الى علاج ناقص..من فضلك أريد كل التفاصيل.."

أردف هانى قائلاً: " سأخبرك بكل شىء ....كما أسلفت لم يكن هناك حل الا التشكيك فى زوجتى كشخص و بالتالى فلم أجد بداً الا أن أشكك فى سلوكها و أخبرت صاحب الشركة بطريق غير مباشرة أننا على وشك الطلاق بسبب سلوكها الأخلاقى المنفلت و أن هذا هو السبب الغير معلن لفصلها من الشركة القديمة ..و بالفعل فقد كان كلامى محل ثقة عمياء فى البداية لأننى رجل من الوزن الثقيل فى مجال الدعاية و الاعلان و الأهم أننى زوجها و لم يتصور أحد أن يقوم زوج بتلفيق مثل هذة الاتهامات لزوجته..المهم سحبت الشركة عرضها و علمت زوجتى بالخبر بعد أن عادت من الخارج و فى يدها سارة و العديد من الملابس الجديدة التى اشترتها زوجتى لبدأ العمل الجديد...لم تصدق فى البداية الخبر الذى قرأته على بريدها الالكترونى على هاتفها المحمول و حاولت مراراً و تكراراً معرفة الأسباب و لكن لم يجبها أحد ابداً ...كنت للحق زوجاً حنوناً فى تلك الفترة فساعدتها على تجاوز محنتها ووقفت الى جوارها كما أننى اصطحبتها الى رحلة فى أوروبا للخروج من الحالة الكئيبة و استعدنا خلال تلك الرحلة ذكريات شهر العسل الجميلة....ظننت أن الحياة استقرت تماماً و صارت مثالية و لكنها لم تكن كذلك..فبعد حوالى عام من العودة من أوروبا عرفت زوجتى بشكل ما أننى كنت وراء تراجع الشركة عن عرض العمل المقدم لها كما أنها عرفت ايضاً أننى كنت السبب فى فصلها من عملها القديم ...فى البداية لم أكن أدرى انها عرفت و لكننى لاحظت تغيراً على شخصيتها و ميلها الى الهدوء و السكون و قلة الكلام على عكس عادتها ثم بعد فترة عدت الى المنزل من العمل فلم أجدها و لم أجد سارة و لا أى من متعلقاتهما و اتصل بى أخوها تليفونياً يقول أنها لن تعود الى المنزل و أنها تطلب الطلاق ...وقتها فهمت أنها عرفت كل شىء ....لم يكن أمامى بد الا الاستجابة لطلبها خصوصاً و أنها رفضت رفضاً تاماً مجرد الجلوس معى أو محاولات الصلح..بعدها مباشرة بدأت أعراض الحالة المرضية ...

******************************************************

2-
"
أصبت لفترة باكتئاب شديد و فقدت الكثير من وزنى و أصبحت قليل التركيز ..كانت زوجتى- أقصد مطلقتى لا تسمح لى برؤية سارة ابنتى -التى بلغت عامها السابع- ابداً و عرفت من بعض الأصدقاء المشتركين أنها قد أقنعت سارة بأننى شخص غير جيد و أنها من الأفضل أن تتأقلم على الحياة بلا أب بدلاً من السؤال عن والدها بشكل مستمر.

أصبحت قليل التركيز و قليل الكلام جداً كما أن شعور الوحدة كان قاتلاً ..فكرت فى العودة الى منزل والدى ووالدتى و لكننى تراجعت و فضلت الاستمرار فى منزلى حيث تطاردنى الذكريات فى غرفة نومى و فى غرفة سارة التى أصبحت خالية منها و من ألعابها ..صرت أقضى معظم وقتى فى غرفة سارة أتذكر أيام لعبها فى هذا المكان ..صوتها ...ضحكها ...بكائها...أتذكرها و هى تملأ الدنيا صخباً و ضوضاءاً جميلة و تؤرق نومى أنا و زوجتى.

أصبحت مطارداً بالذكريات ...مشتاقاً لرؤية ابنتى الصغيرة و لو لساعة واحدة ..كنت أحاول أن أذهب الى مدرستها و أراها و هى تدخل اليها أو تخرج منها..كنت أتوارى حتى لا ترانى مطلقتى و أنا أرى ابنتى عن بعد و فى مرة من المرات لم تحضر مطلقتى الى المدرسة و أرسلت أخيها بدلاً منها...تجرأت و ذهبت اليه و طلبت منه أن يراعى مشاعرى كأب و يسمح لى بأن أكلم طفلتى التى تكبر يوماً بعد يوم بعيدة عن أبيها..وافق بعد تردد...ذهبت الى سارة و هى خارجة من باب المدرسة و أنا أشعر بأن روحى المفقودة تعود الى من جديد....ولكن فاجأتنى الطفلة بعبوس شديد و أحجمت عن ذراعاى المفتوحتان و ارتمت فى أحضان خالها و بدأت فى البكاء بشدة...لم يجد الخال بداً من أن يأخذها و يذهب و من يومها انقطعت عن الذهاب الى المدرسة و أخذت أجازة مفتوحة من العمل و حبست نفسى فى غرفة سارة مع ذكرياتها محاولاً استحضار روحها"

صمت هانى فنظر الطبيب اليه ملياً و قال " اذا أنت تعانى من اكتئاب حاد بسبب الوحدة التى تعيش فيها بعد الطلاق و اشتياقك لرؤية ابنت التى حرمت من رؤيتها ! "

ابتسم هانى ساخراً و قال للطبيب " لو أن هذة هى مشكلتى لم أكن لأذهب لزيارة طبيب نفسى ابداً "

بدا الاهتمام على وجه الطبيب و قال له " اسف لمقطاعتك ...أكمل يا هانى من فضلك "

أكمل هانى قائلاً " حاولت أن أخرج من دوامة الانعزال و الاكتئاب الى ممارسة الحياة بشكل شبه طبيعى فقررت العودة الى العمل من المنزل اولاً حتى أخرج تدريجياً من هذة الحالة الانعزالية و بدأت أتواصل الكترونياً مع الأصدقاء و الزملاء الذين انقطعت عنهم منذ فترة و فتحت هاتفى المحمول المغلق منذ أسابيع و بدأت الحياة تعود تدريجياً و لكننى ظللت قابعاً فى غرفة سارة ...أعمل فيها و اكل فيها و أنام على سريرها الصغير الذى لا يسع جسدى ..لم أكن أخرج منها الى الا الحمام أو الى المطبخ لاعداد الطعام. و مرت أسابيع على هذا الحال و تحسنت صحتى بشكل جزئى كما بدأت أستعيد جزءاً من مرحى القديم "

أجابه الطبيب " جيد ..و ماذا حدث بعد ذلك ؟ "

زفر هانى بقوة " بعدها كان لابد من اجراء بعض مقابلات العمل مع احدى العملاء البارزين فكما تعلم حضرتك أن طبيعة عمل الدعاية و الاعلان تتطلب لقاءات مع العملاء فلا يمكن ابداً أن تنجز كل أعمالك عن طريق الهاتف و البريد الالكترونى "

الطبيب مؤمناً على كلامه " طبعاً ..كان لابد و أن تترك المنزل و تبدأ فى النزول الى الشارع "

أكمل هانى : " و هنا بدأت المصيبة ...ارتديت حلة أنيقة و نزلت الى سيارتى الموجودة بالأسفل..ركبتها و أدرت المحرك و تركته لفترة ثم انطلقت صوب الشركة التى لدى موعداً فيها..وصلت الى الشركة و تركت سيارتى بالجراج و صعدت بالمصعد الذى وصل بى الى الدور الذى يقع به مكتب مدير الشركة ...خرجت من المصعد و دلفت الى الداخل فوجدت رجل أمن يقرأ فى جريدة فألقيت عليه تحية الصباح ملامحها ..رفع الجريدة عن عينه و رد التحية و عندها أصابتنى الصاعقة فقد وجدت ملامح الرجل هى ملامحى أنا "

قاطعه الطبيب " اسف مرة أخرى للمقاطعة و لكن ماذا تعنى بأن ملامح الرجل كانت هى ملامحك أنت؟!! "

قال هانى : " كان الرجل يحمل وجهى يا دكتور ..يرتدى زى الأمن الأزرق التقليدى و لكنه يحمل وجهى أنا ..نفس القسمات ..نفس البشرة البيضاء و الشعر البنى و العيون البنية الواسعة...كل الملامح التى تراها حضرتك الان هى ما رأيته فى وجه الرجل ...ظننت أن ما بى نتيجة انقطاعى عن رؤية كل البشر لعدة أسابيع و تأثير الوحدة الشديدة و لذا تجاهلت الأمر جزئياً و ان ظللت أفكر به و أنا أسير مع رجل الأمن داخل طرقات الشركة وصولاً الى مكتب المدير الذى طرقه شبيهى و استأذن لى فى الدخول و عندما دلفت من باب الشركة وجدت مدير الشركة شخصاً سميناً قصيراً يمد يده لى مرحباً فمددت يدى ثم سحبتها مذعوراً عندما وجدت المدير ايضاً يحمل نفس ملامحى ...سألنى المدير عن ما حل بى ...حاولت عدم النظر الى وجهه و اعتذرت له عن الاجتماع لأصابتى بوعكة مفاجئة ...تجاهلت نداءاته و هبطت مسرعاً من الشركة ...وجدت فتاة فى المصعد طويلة ممشوقة القوام و تحمل نفس وجهى ايضاً ...ذعرت شبيهتى من الصرخة التى أطلقتها وما أن انفتح باب المصعد حتى انطلقت جرياً كالممسوس و أخذت أنظر فى وجوه كل الناس ..رجال ....شباب ...شيوخ ..أطفال...نساء ...بنات ...كلهم يحملون وجهاً أعرفه جيداً و أحبه ...وجهى أنا ...بدأت أبكى و انطلقت الى سيارتى و عدت بها الى المنزل...نظرت بحسرة الى عسكرى المرور الذى صار يحمل وجهى و ذعرت عندما وجدت بائع الجرائد ايضاً يحمل وجهى ...وصلت الى المنزل و دخلت الى غرفة سارة و ارتميت على سريرها الصغير و ظللت أبكى و أبكى حتى نمت.

اتخذت قراراً بعدها الا أخرج من الغرفة ابداً و أن أظل بها حتى أشفى....تناولت العديد من المهدئات و حاولت النزول الى الشارع مرة أخرى و لكن فشلت التجربة ووجدت أن وجهى مكان وجوه كل الأشخاص الذين أقابلهم ....بعد فترة أصابنى اليأس و لم أجد بداً من اللجوء الى طبيب نفسى لعله يملك الحل "

صمت هانى و أغلق عينيه ووجهه ينظر الى سقف الغرفة اما الطبيب فحاول التغلب على ذهوله و نظر الى هانى طويلاً ثم قال له " اذا أنت ترانى الان أشبهك ؟ "

نظر اليه هانى نظرة مباغتة و قال اسفاً " نعم يا سيدى ...هذة هى الحقيقة المؤسفة ...أنت الان تشبهنى و ممرضتك الموجودة بالخارج تشبهنى و كل الناس يشبهوننى ....كلا ...لا يشبهوننى بل هم أنا ! "

استغرق الطبيب فى التفكيرللحظات و قال له " انها حقاً حالة غريبة جداً ..لم تصادفنى من قبل ...من المؤكد أنها نابعة من شعورك بالذنب نتيجة أنانية تفكيرك و ما ألحقته من أذى لزوجتك و ابنتك .."

رد هانى ساخراً " ياله من تشخيص ممتاز ...أعلم كل هذا يا دكتور ..أنا لم ات اليك لتشخص حالتى ..أنا أحتاج علاجاً ! "

قال له الطبيب بنرة عصبية و هو يكتب شيئاً ما فى مفكرته " حسناً ...خذ قرص بعد كل وجبة!!!..اى علاج الذى تريده يا سيد هانى ....هل تتوقع أننى ساحر ...سأعطيك دواءاً من درج مكتبى يجعلك ترى الناس فى صورتهم الطبيعية "

قالها و مزق ما كتبه فى مفكرته و ألقاه فى سلة المهملات و ران صمت على المكان لفترة من الوقت.

قطع الطبيب الصمت القاتل : " اسمع يا أستاذ هانى ..حالتك غريبة جداً و معقدة .. و أنا شخصياً لا أستطيع أن أجد لك علاجاً أكثر من أن أعطيك بعض المهدئات و مضادات الاكئتاب و أن أطلب منك ممارسة الرياضة لفترة طويلة يومياً ...داوم على ذلك لمدة عشرة أيام و بعدها سنرى اذا كان هناك تقدماً أم لا؟ "

قال هانى يائساً " و اذا لم يكن هناك تقدماً ؟ "

رد الطبيب " من الممكن عندها أن ننتقل الى مرحلة أخرى عن طريق العلاج بجلسات الكهرباء "

ذعر هانى من كلمة الكهرباء و ارتجف جسده كأن الكهرباء قد صعقته فعلاً و قال : " كهرباء!! لهذة الدرجة ...هل صرت مجنوناً يا دكتور ؟ "

أجاب الطبيب بثقة من استعاد السيطرة على زمام الأمور : " كلا يا سيد هانى ...لا يوجد من هو مجنون كما ترى فى الأفلام و لكم كل منا يعانى خللاً نفسياً ما , فى حالتك الخلل النفسى أدى الى ما تراه..هذا ببساطة و ما أنزل الله من داء الا و أنزل له دواء"

صمت هانى و قال للطبيب : " حسناً ...سأفعل ما قلته لى ..لعل و عسى , هل هناك شيئاً اخر ؟ "

فكر الطبيب و قال له " أستاذ هانى ..كيف حال روحانياتك؟ هل تصلى ؟ هل تفعل اى شىء روحانى ؟ "

رد هانى " كلا يا دكتور ...لا أفعل اى من تلك الأشياء "

أجابه الطبيب مباشرة " لابد من الروحانيات يا أستاذ هانى فهى جزء من العلاج ...تقرب من خالقك بطريقتك و لكن لا تغفل الروحانيات "

رد هانى " ان شاء الله يا دكتور "

ابتسم الطبيب و مد يده الى هانى قائلاً : " بالشفاء ان شاء الله و أراك بعد عشرة أيام من الان "

صافحه هانى متحاشياً النظر اليه و فتح باب العيادة و خرج مسرعاً ناظراً الى الأرض

3- هبط هانى بتؤدة محاولاً استخدام النور المنبعث من هاتفه المحمول كى لا يتعثر على درجات السلالم المكسورة و طرق الباب طرقتين و انتظر حتى سمع صوتاً يأذن له بالدخول فدفع الباب بيده ووجده مفتوحاً فعبره بحرص قبل أن يعيده الى الوضع الأول.

لم يتمكن من رؤية اى شىء بداخل الغرفة بسبب الظلام الشديد و سمع نفس الصوت يقول " تفضل بالجلوس يا سيد هانى "

أخذ يتحسس مكان المقعد حتى يجلس ووجده منخفضاً للغاية قريباً من الأرض فجلس عليه و بدأ يحاول رؤية اى شىء من خلال الظلام فلم يفلح.

أقل من دقيقة و شعر برجل يدلف الى الغرفة من مكان ما مجهول و بدأت عينا هانى تعتادا الظلام فتمكن من رؤية شبح الشخص القصير الضئيل الحجم و لكن دون رؤية ملامحه و هو ما كان يمثل لهانى راحة نفسية بكل تأكيد, تابع هانى الشبح بعيناه و راقبه و هو يجلس على مسافة خمسة أمتار تقريباً من موضع جلوسه و يعبث فى شىء ما تحت قدمه أضاء المكان حيث يجلس هانى فقط اما الرجل فظل من العسير جداً رؤيه ملامحه و ان كان قد صار أكثر وضوحاً طبعاً بفضل الاضاءة.

قال الرجل الضئيل" تفضل, خبرنى ما هى علتك ؟ "

قال هانى مبتسماً ابتسامة مستهزئة " و أين البخور و أدوات العمل يا مولانا ؟ كما أننى توقعت أن تخبرنى أنت بالعلة بل و تخبرنى باسمى و اسم أمى كما كنا نراكم فى الأفلام ؟ "

ضحك الرجل الضئيل ضحكة قصيرة جداً و قال له " يا سيدى ما تراه فى الأفلام غير حقيقى بالمرة, أنا لا أستخدم البخور كما أننى لا أحضر جن و لا علاقة لى بذلك على الاطلاق, انا مجرد خبير مثل الطبيب النفسى الذى من المؤكد أنك قد زرته و لم ينجح فى علاجك و هذا عرفته بالفراسة وحدها ولا علاقة للخوارق بالموضوع"

بدا على وجه هانى الاهتمام و قال له" الفراسة ؟ لماذا أنت متأكد أننى قد زرت طبيباً نفسياً قبل زيارتك؟ "

رد سريعأً :" لأنك متعلم مثقف و من مستوى مادى جيد للغاية كما يظهر لى من شكلك و سيارتك الموجودة بالأعلى و أنا على يقين أنك زرت طبيباً نفسياً و لم ينجح و لذا قررت أن تأتى الى من يعتبر دجالأً من وجهة نظرك كحل أخير لشخص يائس"

قال له هانى : " أصبت ..لقد زرت طبيباً نفسياً و أعطانى علاجاً لمدة عشرة أيام و لكن لم يحدث تحسن على الاطلاق فقط صرت أميل للهدوء و أشعر بالرغبة فى النوم كثيراً و لقد أخبرنى فى زيارتى له أنه اذا فشل العلاج فسيلجأ للكهرباء و هو ما أرفضه تماماً و لذا فلقد قررت اللجوء لك قبل الكهرباء "

استرخى الرجل الضئيل فى مقعده و قال لهانى " حسناً ...ابدأ الحكاية من أولها..تفضل.. "

أنهى هانى قص حكايته على الرجل الضئيل الذى لم يبد عليه اندهاش بل صمت تماماً حتى أنهى هانى قص كل شىء عليه ثم بدا على وجهه ملامح التفكير العميق و قال له :" عادة لا يرى أحد من زبائنى وجهى فأنا أعمل فى مهنة عادية فى ساعات الصباح و لدى أسرة كذلك و لذا فأنا أحرص على اضاءة المكان بهذا الشكل حتى اذا التقيتنى فى الطريق أو فى مكان لا تعرفنى و لكن فى حالتك أظن أنه لا بأس من أن نضىء المكان"

قالها و قام من مجلسه متجهاً الى باب غرفة جانبية و ما هى الا لحظات و كان المكان يشع ضوءاًَ مبهراً أعمى هانى للحظات فوضع يده اليمنى فوق عينيه حتى اعتادت الضوء ثم فتحها بعد فترة ليجد أمامه شخصاً قصير القامة ضئيل الجسد يرتدى جلبابأً أبيض اللون فضفاضاً و كالعادة يحمل الشخص ملامحه ذاتها.

قال هانى للرجل" و الان ..ماذا تقترح ؟ "

تفرس الرجل فى ملامحه جيداًو كأنما يتأكد أن هانى ا يرى شكله الحقيقى ثم قام من جلسته مرة أخرى و أحضر مراه صغيرة الحجم أعطاها لهانى و قال له " ماذا ترى فى هذة المراه؟ ".

أجابه هانى هازءاً " أرى وجهى "

تحرك الرجل حتى صار خلف هانى تماماً ثم بدأ فى الظهور من خلفه ببطء حتى تظهر صورته فى المراه تدريجياً و بوغت هانى من رؤية شكل الرجل الذى فهم من ملامح وجه هانى و نظرات الارتياع الممزوجة بالأمل التى ارتسمت على وجهه أن هانى راه صورته فاختفى من المراه و عاد الى موقعه أمام هانى سريعاً اما هانى فقد كان يمنى النفس بنظرة أطول لوجه اخر غير وجهه. و لكنه محبطاً أعطى الرجل المراه و قال له " ماذا يعنى ذلك؟ "

قال الرجل " طليقتك يا سيد هانى قامت بربط عمل لك ..عمل يجعلك غير سعيد فى حياتك و ينغص معيشتك و لكن للأمانة فان فكرة العمل مبتكرة و لا أظن أنها من تأليف زوجتك بل من تأليف من استعانت به أو بها "

رد هانى قائلاً " شخصياً ..استبعد لجوء طليقتى الى عمل او مثل هذة الأشياء فلا أظن أنها تؤمن بها من الأصل ..هل أنت متأكد من أن الموضوع عمل و من طليقتى؟ "

قال له الرجل " يا سيد هانى..هذا هو رأيى الشخصى, الطبيب النفسى فسر حالتك على أنها مرض نفسى و أنا أرى أنه عمل من شخص يريد لك تكدير المعيشة و لست أدرى ان كان من زوجتك أم لا ..ابحث عن من يريد أن يؤذيك "

قال هانى يائساً " فليكن ..سأسلم بأنه عمل ...و لكن ما العمل مع هذا العمل ؟ "

أجابه الرجل " لابد من العثور عليه و ابطاله ..أنا ان شاء الله قادر على ابطاله ..فقط اتنى به و سأبطل لك مفعوله باذن الله "

قال له هانى منفعلاً " لابد أنك تمزح . من أين يمكن أن أتى بهذا العمل اللعين ؟ هل أبحث فى القاهرة شبراً شبراً أم أكتب اعلاناً فى الوسيط ؟ "

قال له الرجل بهدوء " لا أسمح لك بالسخرية يا سيد هانى .. أقدر تماماً انفعالاتك و لكن لا تسخر من كلامى , أنا لا أملك الا ما قلته لك , هل تظن أننى أملك عصا سحرية تستطيع معرفة مكان العمل بضغطة زر !! "

زفر هانى بقوة " و لكن هكذا صارت الأمور أصعب يا مولانا ....ماذا عساى أن أفعل ؟ أنا فى حيرة من أمرى و لقد شارفت فعلاً على اليأس , ان حياتى تنهار أمام عينى و أنا أشاهدها دون أن أحرك ساكناً ..بالأمس فقط أرسلت لى الشركة بأن اجازتى المفتوحة قد طالت أكثر من اللازم و أنه فى خلال أسبوع من الان لابد و أن أعود الى العمل و الا فسيوفرون البديل لى ...ابنتى أتمنى أن أراها و لا أستطيع ..اصدقائى بدأوا ينفرون منى و يظنوننى غريب الأطوار لأنى أرفض تماماً رؤية اى شخص ...ان حياتى تتحول الى جحيم يا مولانا "

لمح الرجل الضئيل الدموع تترقرق فى عينى هانى فربت على كتفه مهدئاً و قال له " لا تيأس يا ولدى ..ما زال الوقت مبكراً على اليأس و الأمل فى شفائك موجود ان شاء الله , فكر أين يمكن أن تخبى زوجتك عملاً فى مكان أمين لا تصل اليه اى يد و أنا موجود فى خدمتك فى اى وقت "

قام هانى من مكانه و صافح الرجل الضئيل " أشكرك يا مولانا و أعتذر على سخافة أسلوبى...السلام عليكم "

قالها و خرج من غرفة الرجل فارتقى درجات السلم و أدار سيارته و انطلق باتجاه أحد الأماكن الخالية من البشر, جلس على حافة الهضبة العالية وأخرج سيجارة أشعلها و بدأ ينفخ دخانها ببطء و هو يفكر فى حل للمشكلة و يفكر ايضاً أن يمكن أن تخبىء زوجته العمل ان كان هناك شيئاً كهذا اصلاً "

أنهى سيجارته و قام من مجلسه باتجاه السيارة و قال لنفسه : " اذا أنا لا أملك الا هذا الحل...هو الحل الوحيد و الأمل الأخير"

4- نظر هانى من نافذة سيارته الى الزحام الذى تموج به هذة المنطقة الشعبية و خصوصاً فى هذا الوقت من اليوم قبيل المغرب بقليل ونظر الى الشارع الضيق الذى عجزت السيارة أن تمر منه فتخطاه و اقترب بسيارته من الرصيف و توقف تماما ليخرج هاتفه المحمول و يطلب رقماً ما و سرعان ما جاء صوت أنثى من الناحية الأخرى محيياً " اهلاً يا باشا " , أجاب هانى فى ملل و عجلة " اسمعينى ..أنا لن أستطيع أدخل الى شارعك الضيق بانتظارك عند مدخله أمام المبنى الأخضر ".

أجابه الصوت " ثوانى و أكون فى المكان يا هانى باشا " .

أغلق الخط و أخرج سجائره فأشعل سيجارة و ألقى العلبة و الولاعة فى عصبية على تابلوه السيارة أمامه و أخذ يدخن و ينفذ الدخان بعنف.

مرت دقائق معدودة ثم جاءت سيدة طويلة و بدينة نوعاً ما ترتدى عباءة سوداء تلتصق بجسدها و يكشف غطاء رأسها عن خصلات من الشعر الأسود الناعم, خرجت من الشارع الضيق فى تؤدة و مهل و ابتسمت بعد سمعاها لغزل فاحش من صاحب دكان على ناصية الشارع الضيق, اتجهت بثقة الى سيارة هانى الذى جلس يدخن فى توتر و فتحت الباب فالتفت اليها متحاشياً وجهها كالعادة قائلاً بسرعة و لهفة " أين هو ؟ ".

ضحكت ضحكة رقيعة و مدت يدها الى علبة السجائر الخاصة بهانى فأخرجت سيجارة منها دونما استئذان و أشعلتها ثم نظرت اليه نظرة ذات معنى و قالت : " باقى المكافأة اولاً يا باشا ".

أخرج هانى محفظته و عد عدة أوراق من فئة المائة جنيه ثم أعطاها اياهم فعدتهم مرة أخرى ثم قالت فى جشع : " أريد مائتى جنيهاً اضافية , حضرتك لا تعلم ما واجهنى من عواقب للحصول على هذا الشىء " .

قال هانى و قد فقد السيطرة على أعصابه " و لا مليم أحمر , أعطينى اياه أو اعطينى نقودى".

دست السيدة يدها اليمنى بداخل صدرها و أخرجت لفافة بلاستيكية صغيرة فضتها فى بطء و كانت قد انتهت من تدخين سيجارتها فألقتها من النافذة و أشعلت أخرى من علبة هانى دونما استئذان ايضاً و أخرجت ورقة مطوية بعناية على شكل هرمى و مكتوب عليها عدة حروف عربية و أرقام لاتينية أعطتها لهانى الذى أمسك بها فى لهفة و قال لها: " شكراً و الان مع السلامة , لابد أن أغادر " .

ابتسمت كاشفة عن أسنان صفراء و فتحت باب السيارة و قالت لهانى و هى تودعه: " مع السلامة يا باشا و اذا احتجت شيئاً اخر أنا فى الخدمة ..اى شىء يا باشا ...هنومة تصنع المعجزات" قالتها و أغلقت الباب و استدارت عائدة الى الشارع الضيق بخطوات بطيئة للغاية اما هانى فقال بصوت عال بعد أن أغلقت الباب : " عاهرة و لصة " ثم التفت الى الشىء الملقى فى يده فأخذ يتفحصه بعناية و أردف و هو ينظر الى هنومة التى أخذت فى الابتعاد داخل الشارع الضيق : " و لكنك فعلتيها يا بنت العاهرة".

هبط هانى درجات السلالم بسرعة أكبر مما فعل للمرة الأولى و طرق الباب بقوة فجاءه صوت " تفضل " .

دخل هانى سريعاً فوجد الرجل الضئيل الحجم منتظره فى المكان الذى التقيا فيه قبل ذلك فبادره هانى قائلاً بلهفة واضحة: " وجدته يا مولانا ..ها هو العمل " .

أمسك الرجل الضئيل بالعمل بين يديه و ابتسم قائلاً : كيف و أين عثرت عليه ؟ "

أجاب هانى فى زهو : " فكرت و تأكدت من أن شيئاً كهذا لابد و أن يكون مخبئاً فى منزل طليقتى و لذا فقد استعنت بسيدة تعرف الخادمة التى تنظف شقة زوجتى و لقد أخذت منى مبلغاً كبيراً مقابل احضاره من الشقة".

قال الرجل فى اهتمام : " الحمد لله و الان أتركك بعض الوقت لأفحص هذا العمل و أعود اليك".

قال هانى مازحاً و قد ارتفعت روحه المعنوية : " و متى تظهر نتيجة الأشعة يا دكتور؟ " ثم أطلق ضحكة قوية و أخرج سيجارة ثم أردف : " تفضل يا مولانا أنا بانتظارك".

دخل الرجل الى داخل الغرفة و أغلق بابها عليه بينما أشعل هانى السيجارة المعلقة فى فمه منذ دقيقة تقريباً و أخذ يغنى بصوت خفيض أغنية انجليزية شهيرة.

كان مزاجه رائقاً الى حد كبير منذ أن نجحت هنومة فى الحصول على العمل من شقة طليقته و ان كان لا يزال يشوبه بعض التوتر بانتظار الشفاء النهائى.

شرد هانى بخياله متخيلاً عودة الحياة الى طبيعتها و أن يتمكن من رؤية الوجوه الحقيقية لكل من يعرفهم و من لا يعرفهم كما كان الحال قبل العمل.

تخيل هانى عودته الى الشركة المقرر لها بعد غد و تعويض كل ما فاته فى الفترة الماضية, تخيل أن تنتهى عذاباته كلها فى خلال لحظات و أن يخرج عليه الرجل معلناً انتهاء اللعنة التى تسببت فيها الشيطانة طليقته التى تحرمه حتى من رؤية ابنته سارة التى لا يحب غيرها.

فكر هانى فى الانتقام منها و أخذ عهداً على نفسه أن يفكر فى وسيلة للانتقام منها فى الفترة القادمة...سيعمل لها عملاً هو الاخر..كلا..انه يريد شيئاً أبشع.. سيلوث سمعتها و يخبر كل من يعرف أن الطلاق تم لأنها على علاقات برجال اخرين و أن سلوكها لم يكن على ما يرام.. ...كلا سيضع رقمها و صورتها على الانترنت مصحوباً بدعوات لقضاء ليال حمراء مقابل مبالغ مالية ...

كلا ...كلا...هناك ما هو أبشع و اسوأ و استمر خياله فى نسج طريقة تلو الأخرى فى كيفية اتعاس طليقته كما أتعسته بأعمالها و سحرها.

أفاق من شروده و خواطره البشعة على صوت الرجل يقول : " ما هذا يا سيد هانى؟ "

أجابه هانى فى قلق: " ماذا تعنى؟"

قال الرجل فى يأس و هو يجلس الى جوار هانى و يضع العمل بين يديه " هذا الذى أعطيتنى اياه ليس بعمل و لا يحزنون , انه ورقة كتبت عليها أرقام و حروف لتبدو كعمل و لكن للأسف فان من كتبها هاو و لا خبرة له بالمرة فالأرقام والحروف لا دلالة لهاعلى الاطلاق "

قال هانى بصوت قوى: " يا بنت العاهرة يا هنومة ..حسابك معى سيكون عسيراً"

قالها و خرج من الشقة منفعلاً للغاية و هو يركض فوق السلالم باتجاه الشارع.

5- حاول هانى أن يفتح عينيه و لكنه وجد صعوبة فى ذلك كما شعر بالام قوية للغاية فى كل أجزاء جسده فأغلق عينيه مرة أخرى و تدريجياً بدأـ حواسه تعود للانتباه فسمع صوتاً أنثوياً يقول " لقد أفاق ".

فتح هانى عينيه ببطء و نظر الى صاحبة الصوت نظرة مشوشة لم يستطع من خلالها تحديد ملامحها و سمع صوتأ اخر لرجل هذة المرة يقول : " حمد الله على السلامة يا أستاذ هانى" .

التفت الى الرجل صاحب الصوت و حاول أن يتغلب على الضوء المباغت الذى أرهق عينيه و بعد لحظات تمكن من الرؤية بشكل واضح فوجد رجلاً طويل القامة رياضى الجسد يرتدى معطفاً أبيض و نظارة طبية و الى جواره فتاة أقصر منه قليلاً ذات شعر أسود معقوص فوق رأسها و ترتدى معطفاً أزرق و طبعاً لا داعى للقول أن ملامح وجههم كانت هى ملامح وجه هانى.

تلفت هانى حوله و أخذ يجول ببصره فى الغرفة فوجد أنه فى غرفة أحد المستشفيات على ما يبدو و أيقن أن من يقفا أمامه هما طبيب و ممرضة.

حاول هانى أن يعتدل فى جلسته و لكنه وجد الاماً رهيبة فى ظهره فصرخ صرخة مكتومة بينما اقتربت منه الممرضة فى سرعة و عدلت من نومته و قالت بلهجة حانية " لا داعى للحركة الان, فمازالت هناك بعض الكسور و الرضوض التى ستحتاج وقتاً لتلتئم ".

استسلم هانى لها و هى تضعه فى وضع مريح و التفت الى الطبيب قائلاً فى قلق واضح : " ماذا بى يا دكتور ؟ ".

ابتسم الطبيب ابتسامة صغيرة: " لا داعى للقلق , أشكر الله على أنها وصلت لحد الاصابة بكسور و رضوض فقط , لقد كان من الممكن أن تنال ضربة فى رأسك أو فى عينيك , ان من ضربوك لابد و أنهم محترفون يا أستاذ هانى, كما أن من أتوا بك الى هنا لو لم يفعلوا لسائت حالتك كثيراً ".

عادت الذاكرة بهانى للموقف المخزى الذى تعرض له , فقد خرج من شقة الشيخ بعد أن اكتشف أنه ضحية نصب من هنومة كالمجنون فعاد الى المنطقة التى تقطن بها هنومة و اتصل بها هاتفياً ليخبرها أنه يريد مقابلتها لأمر عاجل و بالفعل نزلت له هنومة فواجهها محتداً بما قاله له الشيخ و طالبها بنقوده و سبها بألفاظ غاية فى البذاءة , أنكرت هنومة تماماً ما يقول و طلبت منه أن يتكلم باحترام و سبته هى الأخرى فلم يشعر بنفسه الا و هو يصفعها على وجهها و عندها تحول الشارع بأكمله الى معركة من طرف واحد , و أكال له كل رجال و شباب الشارع الركلات و الصفعات الواحدة تلو الأخرى حتى سقط مغشياً عليه و نقله بعض الأشخاص الى المستشفى التى يرقد بها الان.

أفاق من ذكرياته على صوت الطبيب يقول " ستبقى معنا لفترة حتى تتعافى تماماً من اصابتك و لا تقلق فستلقى كل رعاية و عناية, متعلقاتك الشخصية موجودة الى جوارك و سنمر علييك من وقت لاخر لنطمئن على حالتك, بعد اذنك".

أنهى كلامه و ترك الغرفة مسرعاً و تبعته الممرضة التى ابتسمت فى وجه هانى ابتسامة رقيقة تركت أثراً جيداً فى نفسه.

بعد خروجهما أغلق هانى عينيه و بدأ فى البكاء بلا صوت ثم سرعان ما ارتفع صوت بكاءه و تحول الى نشيج و نحيب و أخذ يردد بصوت خفيض: " لماذا يحدث لى كل هذا ؟ أنا لم أؤذى احداً, ما فعلته كان لمصلحتها و لمصلحة الأسرة و لمصلحة سارة " .

ثم تحولت مشاعره من الحزن و الانكسار الى الغضب فى وقت قصير و قال لنفسه: " لابد من أن تنتهى هذة المهزلة و ليلق كل جزائه العادل".

أخذ يبحث عن هاتفه المحمول حتى وجده فى متعلقاته الشخصية التى وضعت بجواره فأخرجه ووضعه فى الشاحن قليلاً و عندما عاد الهاتف للحياة نزعه من الشاحن-رغم ما سببه ذلك من الام رهيبة بظهره و عظامه- و طلب رقم هنومة , لم ترد فألح فى الاتصال حتى ردت ساخرة: " أمازلت على قيد الحياة ؟! " و أطلقت ضحكة رقيعة بصوت عال حتى أنه خشى أن يصل صوتها الى خارج غرفته بالمستشفى فخفض من الصوت قليلاً و قال لها : " أريد منك خدمة و لك ما تطلبين , ألم تقولى لى أنك تفعلين اى شىء؟ ".

أجابت هنومة بدلال : " نعم, أفعل اى شىء و كل شىء, ماذا تريد ؟ "

قال بجدية : " من غير الممكن أن أخبرك بالتليفون كما أننى لا أستطيع أن أغادر المستشفى و الفضل يرجع الى رجالك الأشداء , لابد و أن تأتى لى فى زيارة خاصة و لتخبريهم هنا أنك قريبتى".

صمتت هنومة و لم ترد فقال لها هانى : " لماذا لا تردين ؟ ".

أجابته بصوت بدا عليه التفكير: " أحاول أن أفهم ما هى الخدعة ؟ أنا لست ساذجة يا أستاذ هانى"

أجابها هانى بهدوء و ثقة : " أقسم لك أن الموضوع ليس به اى خدعة على الاطلاق ..هى خدمة سأطلبها منك و سأنقدك ثمنها و هذة المرة لا مجال لأن تخدعيننى يا هنومة".

ضحكت هنومة ضحكة قصيرة و قالت له : " ماذا كنت تظننى سأفعل؟ لم تعثر البنت على اى أعمال بشقة الزوجة و كانت النقود ستطير منى و يعلم الله أننى كنت فى أشد الحاجة اليها فلم يكن هناك بد مما فعلته, اعذرنى يا سيد هانى ..أنت لم تجرب الفقر و الحاجة".

قال هانى بلهجة ناعمة: " عفا الله عما سلف يا هنومة, و الان أخبرينى ,هل تستطيعين أن تأتى لزيارتى غداً فى ميعاد الزيارة السادسة مساءاً؟ ".

صمتت هنومة لثوانى و قالت : " حسناً ..سأكون عندك فى السادسة تماماً".

أملى عليها هانى عنوان المستشفى و رقم الغرفة و أغلق الخط ثم وضع هاتفه المحمول فى الشاحن مرة أخرى و ارتسمت على وجهه ابتسامة أخذت فى الاتساع شيئاً فشيئاً.

6-

طرقت الممرضة باب غرفة هانى فى رقة و انتظرت حتى سماع صوته يأذن بالدخول ففتحت الباب و دخلت قائلة :" مساء الخير, زيارة يا أستاذ هانى ...واحدة من قريباتك تدعى هنومة".

ابتسم هانى فى فرح و قال للممرضة: " دعيها تدخل ".

دخلت هنومة الى الغرفة و الممرضة تنظر الى ملابسها و هيئتها فى ذهول و دهشة فهى لا تبدو قريبة لهانى على الاطلاق ثم أغلقت الباب ورائهما اما هنومة فقد جلست على حافة السرير فى وضع قريب للغاية من هانى و قالت: " حمد الله على السلامة يا باشا".

حاول هانى التغلب على نفوره من هيئتها و رائحتها المقززة التى هى خليط من العرق و السجائر و عطر رخيص للغاية و قال لها بجدية: " اسمعينى يا هنومة ..لقد قلت لى أنك تستطيع فعل اى شىء".

اقتربت أكثر و قالت بنعومة و دلال : " فى الخدمة يا باشا..عليك الأمر و على الطاعة".

أخذ هانى نفساً عميقاً و قال : " أنا أريد ابنتى يا هنومة و سأدفع لك ما تريدين".

تراجعت هنومة للوراء و بان القاق على ملامحها و قالت متسألة : " خطف!! لم يسبق لى أن فعلت ذلك من قبل!" .

قال هانى و قد اقترب منها هو : " و من تحدث عن الخطف , انها ابنتى و أمها سيدة سيئة تقوم بربط الأعمال و اخفائها و من مصلحة البنت أن تتربى مع أبيها , انها خدمة يا هنومة و سأعطيك ما تطلبين."

قامت هنومة من مجلسها و أخرجت سيجارة من سجائر هانى كما هى العادة و أشعلتها دون اى مراعاة لظروف المكان و أخذت تفكر ثم قالت بغتة: " خمسون ألف جنيه".

حدق هانى فيها طويلاً و قال لها : " ماذا ...أنه مبلغ..".

قاطعته هنومة و اقتربت منه بشدة حتى لفحت أنفاسها العطنة أنفاسه :" انها ابنتك الوحيدة يا باشا كما أن الموضوع خطير للغاية و لا يوجد من يقدر عليه سوى هنومة".

قالتها و هى تداعب شعره بأصابعها بخبرة اما هانى فصمت قليلاً و قال:" موافق, الطبيب أخبرنى أننى سأخرج بعد ثلاثة أيام, أريد أن أعود الى المنزل لأجدها هناك, اتفقنا؟ ".

التصقت هنومة به أكثر و قالت له: " ابنتك ستكون فى حضنك عند عودتك الى المنزل ان شاء الله".

*****************************************************************

مستخدماً عكازاً خشبياً دخل هانى يعرج الى منزله و جلس منهكاً على أقرب كرسى ثم أخرج هاتفه المحمول و طلب هنومة التى ردت عليه قائلة: " الباشا وصل للمنزل ..أقول حمد الله على السلامة" .

أجابها هانى : " نعم , أخبرينى متى ستأتين بها؟ " .

أجابت هنومة بدلال و نعومة:" اليوم يا باشا, ساعات معدودة و تكون فى حضن أبيها ".

أغلق هانى الخط و زفر زفرة ارتياح, انه انتقام هائل من طليقته فستحرم من ابنتها و ستربى سارة الصغيرة بين يدى أبيها و ستكبر معه أما مرضه فهو يعتقد أن الحياة مع سارة ستكون كافية لشفائه منه و حتى ان لم يشف فيكفيه العيش مع سارة و حرقة القلب التى سوف تصيب طليقته.

أشعل سيجارة و أخذ يتصفح الخطابات التى وصلت أثناء غيابه فوجد خطاباً من الشركة يخطره بانهاء تعاقده ويطلب منه الحضور لاستلام متعلقاته و مستحقاته.

لم تكن مفاجأة بالنسبة له, فقط هو شعر بالرغبة أكثر فى الانتقام من طليقته التى يراها السبب فى كل ما حل به من متاعب.

نظر الى ساعته, مازالت الثانية ظهراً و هنومة لن تأتى بابنته قبل المساء حتى لا يراها أحد و لا يشعر بوجودها شخص و لقد

اتفقا معاً على أن يتم خطف البنت أثناء خروجها من المدرسة فى الثالثة عصراً و تبقى بمنزل هنومة حتى منتصف الليل فتأتى بها الى منزل هانى فى ظلام الليل.

اذن بامكانه انهاء متعلقاته فى العمل الان حيث أنه سيكون مشغولاً بابنته فى الأيام القادمة و لن يتمكن من تركها وحيدة بالمنزل.

قام من مجلسه و خرج من الشقة ذاهباً الى الشركة التى كان يعمل بها ووصل الى مقر الشركة سريعاً فصعد متكئاً على عكازه محاولاً تحاشى النظرات الى العاملين و دلف الى ادارة الدعاية و الاعلان فحيا السكرتيرة الى كانت سكرتيرته سابقأً- متحاشياً النظر فى وجهها طبعاً- فقامت السكرتيرة مرحبة به: " اهلاً و سهلاً يا أستاذ هانى , حمد الله على سلامتك , تفضل استرح حتى أبلغ بوصول حضرتك".

لم يرد و جلس شاعراً بانكسار رهيب فى أعماقه و فكرة الانتقام فقط هى ما تسيطر على ذهنه.

أشعل سيجارة و أخذ ينظر الى المكتب المقابل له الذى كتب عليه " مدير الدعاية و الاعلان" و تذكر صولاته و جولاته فى هذا المكان و تذكر كذلك نجاحاته المتتاية فى الأيام الخوالى ومع تدفق الذكريات بصورة أكبر تزداد جذوة الانتقام اشتعالاً فى أعماقه.

أرهف السمع فسمع أصواتاً تتحدث بداخل المكتب الذى كان مكتبه و فهم أن بديله لابد و أن يكون قد بدأ عمله بالفعل.

قال فى سره: " أبهذة السرعة وجدوا الشخص البديل؟" و أخذ يعتصر ذهنه مفكراً فيمن يكون بديله, لا يمكن أن يكون أحد موظفيه فكلهم ما زالوا لا يمتلكون الخبرة الكافية لشغل منصب مدير الدعاية و الاعلان كما أن العاملين فى هذا المنصب فى الشركات المنافسة معدودون و هو يعرفهم جميعاً جيداً".

انتبه لدى سماعه صوت الباب ينفتح و يخرج منه مجموعة من الأشخاص , تجنب النظر الى ملامحهم و حاول أن ينظر بطرف عينه اليهم فلم يتعرف على هيئة اى منهم و من خلفهم صوت يقول: " مع السلامة ".

انتفض لدى سماعه الصوت و التفت الي صاحبه فوجد المفاجأة المذهلة التى ألجمت لسانه.

7-
عرفها بسهولة رغم أن ملامحها كانت هى ملامحه , فالجسد الذى عاشره لسنوات طويلة من الصعب أن ينساه بتلك السهولة , تحاشى النظر اليها أما هى فنظرت اليه شذراً ثم عادت الى مكتبه – الذى صار مكتبها – فأغلقت الباب بقوة تاركة اياه وحيداً فى انتظار انهاء متعلقاته.

لم يكن هانى قد تمالك نفسه بعد من الصدمة عندما عادت السكرتيرة بأوراقه و متعلقاته فأنهاها فى سرعة و نزل الى سيارته فركبها مغيباً عن الواقع, نسى تماماً ابنته القادمة اليه بعد عدة ساعات و لم يعد يفكر الا فى طليقته التى دمرت حياته و فى نهاية المطاف احتلت موقعه , لم يدر بكثير من التفاصيل عن الأمر و لكن ما عرفه من السكرتيرة أنهم قد أعلنوا عن خلو المنصب منذ أسابيع و كانوا فى حاجة الى شخص ذو خبرة كبيرة فى الدعاية و الاعلان و شخصية قيادية جيدة أما ما رجح كفتها فهو كونها غير مرتبطة بعمل فى الوقت الحالى فالادارة لم تكن مستعدة للانتظار شهراً اخر أو اثنين فالانتظار كان معناه نهاية العديد من تعاقدات الاعلانات.

أما كيف عينوها رغم سمعتها السيئة و فصلها من عملها السابق فقد ظل لغزاً له لا يستطيع حله.

حاول تناسى الموضوع برمته و تذكر ابنته التى ستصل بعد ساعات فتوقف أمام أحد المولات الضخمة و قضى ما يقرب من ساعتين فى شراء الحلويات و الألعاب و الزينة و هو ما سبب له ارهاقاً كبيراً خصوصاً مع سيره باستعمال العكازات,

أنهى جولته الشرائية ووصل الى المنزل فأعده لاستقبال الابنة على أحسن ما يكون و قضى ما بقى من الوقت فى ترتيب و تنظيف غرفة سارة بنفسه بانتظارها و عند حلول منتصف الليل دق الباب ففتحه هانى و دخل منه فتاتان تحملان طفلة نائمة بين ذراعيهما و من خلفهما دخلت هنومة الى المنزل و على وجهها ابتسامة صفراء ثم قالت: " مبروك عودة ابنتك يا باشا".

اختطف هانى سارة فى لهفة من يد الفتاتان و أخذ يقبلها و يحتضنها فى لهفة و شوق و كأنه نسى تماماً وجود الاخرين و دخل بها الى غرفتها فأنامها فى سريرها الصغير و قبلها عدة مرات فانحدرت من عيونه دمعة حاول التغلب عليها بسرعة ليعود الى الموجودين فى الخارج.

مد هانى يده بالنقود الى هنومة فأخذت تعدها على مهل و على بعد منها الفتاتان تدخنان سجائر غريبة الرائحة وتضحكان فى بذاءة و مجون.

قالت هنومة بعد أن فرغت من عد النقود: " تمام يا باشا و الان اختار هديتك ". و أشارت الى الفتاتين.

قال هانى موجزاً و منجزاً:" لا شكراً , الان تفضلى مع السلامة و اذا احتجت منك اى شىء سأتصل بك".

ودعها فى تقزز منها و من فتياتها و دخل الى غرفة سارة فارتمى فى سريرها و نام فى دقائق و هو يأخذها الى صدره.

فى الصباح الباكر سمع صوت دقات عنيفة على باب شقته فقام مفزوعاً و عندما فتح الباب دفعه مجموعة من الرجال الأشداء قوياً فى صدره فطرح أرضاً و اتجه بعضاً منهم الى الداخل بينما أمسك به الباقون لمنعه من الحركة و عادوا بالطفلة محمولة بين أذرعهم و هى ما زالت تحت تأثير المنوم التى أعطته اياه هنومة وتحدث أحدهم اليه قائلاً : " هل أنت أب ؟تحرم ابنتك من أمها و تخطفها كما اللصوص ؟! لعنة الله عليك".

تذكر أن هذا الصوت سمعه من قبل فنظر الى صاحبه محاولاً التعرف عليه و أخذ يعتصر ذهنه محاولاً التذكر أين سمع هذا الصوت من قبل و أفاق من شروده على صوت رجل اخر يقول: " الفتاة ميتة ".

نزلت الجملة على الجميع كالصاعقة و أفلت هانى من مقيديه الذين تراخوا فى الامساك به تحت وقع الصدمة و اتجه الى الابنة التى تحمل ملامحه و أخذ يهزها فى عنف صارخاً : " سارررررررررررررررة .." و لم يكمل الصراخ حيث عالجته ضربة قوية فى فكه من الرجل الذى تحدث اليه اولاً ثم انقض الرجل على هانى كالمجنون فأخذ يكيل له الضربات و اللكمات و الصفعات فى قسوة و قوة و هو يسبه ولم ينقذ هانى من براثن الرجل الا باقى الرجال الذين أمسكوا به و قال أحدهم: " دعه..سيموت بين يديك".

تركه الرجل و انهار أرضاً الى جوار جثة الفتاة و أخذ يبكى فى حرقة أما باقى الرجال فقيدوا هانى جيداً و حاولو الشد من أزر خال الفتاة الذى استمر يبكى و يصرخ الى جوار جثة ابنة أخته لعدة ساعات.

خاتمة

استرخت ياسمين على الكرسى الممدد فى عيادة الطبيب و سألها عن نوعية الموسيقى التى تفضلها فأجابت ببرود.

قام الطبيب من كرسيه و غير اضاءة الغرفة الى اضاءة هادئة و سرعان ما انبعث من مكان لا تراه ياسمين فهدأت أعصابها و تركها الطبيب كذلك لمدة خمس دقائق ثم بدأ فى مراجعة الاستمارة التى ملأتها قبل دخولها و التى دونت فيها كل بيانتها بدقة شديدة ثم بدأ الطبيب يتلو عليها بيانات الاستمارة فى هدوء و بصوت رخيم: " ياسمين صبرى ..34 عام ..انسة ...تعملين مديرة للموارد البشرية فى شركة كبيرة لم تذكرى اسمها ...تسكنين فى القاهرة الجديدة مع والدتك بعد وفاة والدك منذ تقريباً عشرين عاماً ...لا تدخنين ..لا تشربين الكحوليات و لا المخدرات ...تهوين القراءة و التصوير..دخلك الشهرى يتخطى العشرين ألف جنيهاً مصرياً.هى زيارتك الأولى للطبيب النفسى..لماذا فكرتى فى زيارة طبيب نفسى يا ياسمين؟"

تنهدت ياسمين و قالت: " لأننى أعانى يا دكتور ...أشعر بوخز كبير فى ضميرى و أشعر أننى كنت سبباً مباشراً فى مأساة كبيرة حدثت لعائلة دون أن أقصد و ما قصدت الا المساعدة و لكن ."

بدأت فى البكاء فتركها الطبيب لتهدأ دون تدخل ثم أردفت ياسمين: " لدى صديق منذ أيام الجامعة يدعى هانى ..أنا و هو أصدقاء مقربون جداً و منذ فترة لجأ الى هانى طالباً المساعدة و لم أكن أستطيع الرفض فلقد أٌقنعنى أن بيته على وشك الانهيار اذا لم أتدخل و أنهى عمل زوجته فى احدى الشركات التى لى فيها العديد من الأصدقاء و العلاقات و لقد ساعدته و كنت أعلم أنهم ميسورى الحال و ليسوا بحاجة لمرتب زوجته و أنهم أكثر حاجة الى رعايتها الى ابنتهم سارة و بعدها بفترة علمت أن الطلاق قد تم و أخبرنى هانى أنه بحاجة الى مساعدتى مرة أخرى فى الحصول على بعض الأوراق الهامة من داخل شقة زوجتى فهو يعلم أننى على علاقة بامرأة تدعى هنومة تدير مكتباً للتخديم و قد كنت ساعدتهم من قبل فى ايجاد خادمة لمنزل حماته الكبيرة نوعاً ما فى السن بعد زواج هانى مباشرة فأوصلته بهنومة ظناً منى أننى أساعده و لم أكن أعلم ما سوف يجلبه ذلك من مصائب.

حاولت مساعدة طليقته بعد أن علمت بمدى سوء حالتها النفسية كما شعرت بوخز فى ضميرى من مساعدة هانى فى سرقة أشياء من منزلها فساعدتها على ايجاد عمل كبديلة لهانى الذى صار الاستغناء عنه حتمياً بعد انقطاعه عن العمل لفترة طويلة.

لم أكن أعلم الكارثة التى ستلحق به جراء كل هذا .....

فابنته توفيت بجرعة زائدة من منوم أخذته على يد هنومة و طليقته أصابتها صدمة نفسية و عصبية شديدة بعد وفاة ابنتها أما هانى نفسه فقد انتحر بتناول كمية هائلة من المنومات لظنه أنه كان سبباً فى وفاة ابنته بنفس الطريقة..."

ازداد صوت بكائها ارتفاعاً و و بدت على وشك الاصابة بانهيار كامل فهدأ الطبيب من روعها و قال لها : " ياسمين ..اهدئى و قصى على كل شىء بالتفصيل".

تمت بحمد الله

******************************************************************

9/26/2011

ساعات عمل


الساعة تقترب من الخامسة مساءاً , الشمس تهبط باتجاه الغروب و يوم العمل على وشك الانتهاء.
يستيقظ من نومه متعباً و يهبط من سريره متجهاً الى دورة المياه, يغتسل و يرتدى ملابس العمل, تضع زوجته أمامه وجبته التى لا يعرف ان كانت افطاراً أو غذاءاً. يتناول طعامه البسيط- الذى يتكرر يومياً- فى استمتاع , ينتهى من طبق الفول عن اخره و يحتسى الشاى مصدراً صوتاً عالياً و يقوم من مجلسه و يقول بصوت مسموع : " توكلت على الله.و يلتفت ناحية زوجته قائلاً: السلام عليكم " ..أجابته الزوجة : " فى رعاية الله ".

الساعة تقترب من السادسة مساءاً , الشمس غربت تماماً و بدأت ساعات الليل فعلياً, الشوارع تبدو أكثر ازدحاماً فالكل عائد من عمله و الساعة ساعة ذروة.
يهبط من الأوتوبيس المزدحم بصعوبة و يسير بمحاذاة الرصيف الذى امتلأ بالبشر القادمين  و الذاهبين, يتوغل فى احد الشوارع الجانبية  و يبدأ الازدحام فى الانخفاض تدريجياً حتى يصل الى طريق شبه خال على ناصيته كلب متسكع, يقترب الكلب منه متحفزاً ثم يشم رائحته فيعرفها و يعود كامناً الى ناصية الطريق.
يستمر فى السير فى الطريق المقفر حاملاً شنطة بلاستيكية قديمة فى يده مدندناً لحناً قديماً لأغنية قديمة من التراث المصرى غير عابىء بطول المسافة و وحشة الطريق.


الساعة تقترب من السابعة مساءاً  و المبنى الشاهق يبدو ظاهراً من على بعد و ليس أمامه الا أتوبيس وحيد.
يصل الى المبنى  و يلقى التحية على سائق الأوتوبيس الوحيد فيبادله الاخر التحية و يعطيه جرائد اليوم المنقضى و أثناء ذلك يمتلىء الأوتوبيس بالركاب من العاملين و بالمصنع فيلوح السائق بيديه و يتحرك بالأوتوبيس الذى يختفى بعد لحظات غارقاً فى ظلام الشارع الطويل.
يدخل الى غرفته الضغيرة , يفتح النافذة المطلة على الشارع و على مدخل المصنع. يقترب من التليفزيون القديم الموجود فى ركن الغرفة , يفتحه فيجد فيلماً عربياً قديماً يذاع للمرة الرابعة بعد الألف, يجلس ليتابع الفيلم فى استمتاع- حقيقى- و يخرج الجرائد التى أخذها من سائق الأوتوبيس فيفتحها على صفحة الرياضة و يبدأ يقرأ الأخبار فى تؤدة و لكن بنهم.

الساعة تقترب من التاسعة مساءاً , الفيلم العربى فى مشهد النهاية حيث يقترب البطل من البطلة و يلزق فمه فى فمها بطريق حيوانية بشعة – كانت هى المألوفة فى هذا الزمان - و تنزل كلمة النهاية.
يقوم من مجلسه و يبدأ فى اعداد كوب من الشاى الثقيل على الموقد الصغير و هو يغنى أغنية لأم كلثوم.. فجأة تنطفأ أنوار المكان و يسكت التلفاز, يستمر هو فى ترديد الأغنية بنفس الطريقة و كأن شيئاً لم يحدث, بعد دقيقة كاملة أو دقيقتين, يمسك بشمعة من على الكومود أمامه مهتدياً بضوء الموقد الصغير و يشعلها.
يمسك الشمعة فى يده و يبحث عن اخريات فيشعلهن فيصير المكان مضيئاً.
يوزع الشمع فى جنبات الغرفة المختلفة و يبحث داخل شنطته البلاستيكية عن الراديو الترانزستور و يجده سريعاً فيفتحه على محطة أم كلثوم و يسترخى فى جلسته لاحتساء الشاى.

الساعة تقترب من الحادية عشر مساءاً , أم كلثوم تختم الأطلال بعد ساعتين من الغناء المتواصل و التيار الكهربى يعود الى الغرفة.
يستيقظ من غفوته القصيرة و يقوم لاعداد كوب اخر من الشاى مستغلاً اضاءة التيار الكهربائى , يفتح الشنطة البلاستيكية و يستخرج بعض ساندويتشات الجبن القديم الذى يأكله يومياً و رغم ذلك لا يمل منه ابداً, التلفاز يذيع برنامجاً غاية فى الملل يتحدث عن كيفية الحفاظ على الشباب للأبد , يتابعه باهتمام و يحاول فهم ما تعثر عليه فهمه من كلام الطبيب – ضيف الحلقة- فيفشل, ينظر الى نفسه فى المراة , انه فى الثلاثينيات من عمره و لكنه يبدو كرجل يبلغ من العمر خمسين عاماً ,يتسائل  لماذا لا يتحدث الطبيب عن تلك المشكلة بدلاً من الحديث عن العكس؟


الساعة تقترب من الواحدة صباحاً , انقطاع التيار الكهربائى مرة أخرى و لكن الشمع الذى وزعه جيداً يضىء الغرفى بكفاءة ,و صمت تام يطبق على المكان و خارج الغرفة سيارة صغيرة حديثة تستعد للوقوف أمام باب المصنع.
يفيق على صوت السيارة فيستل سلاحه و يخرج من الغرفة باتجاه السيارة التى يلمح فيها شاب و فتاة, الشاب يبدو فى العشرينيات من العمر أما الفتاة- الى ترتدى ملابس خفيفة جداً- فمن المستحيل أن تكون قد بلغت العشرين بعد , يزول توتره قليلاً و يقترب من السيارة.
يرى الشاب ملابسه و هو قادم باتجاهه فيزول توتره هو الاخر و يخرج عشرين جنيهاً و يفتح النافذة فتحة قليلة جداً تكفى فقط لاخراج ورقة النقود , ينظر الرجل اليه فى اندهاش و يطلب منه أن يفتح النافذة و يكلمه.
يفتح الشاب النافذة فيسأله الرجل " ماذا تفعل هنا فى هذا الوقت ؟ " , يجيبه الشاب ساخراً " أرى أنك تمتلك غرفة فاخرة , ما رأيك أن تؤجرها لنا ساعة مقابل خمسون جنيهاً ؟ "
تمالك الرجل أعصابه و استغفر ربه و قال " ارحل من هذا المكان فوراً "
ارتبك الشاب و بدأ يشعر أن خطته التى أعدها لقضاء ليلته سوف تفسد بفعل هذا الرجل السخيف فقال له محاولاً محاولة أخيرة " حسناً ...خذ خمسون جنيهاً و سوف نترك لك غرفتك طوال الليل " ..انفعل الرجل عليه قائلاً : " اذا لم ترحل الان فابمكانى تكسير رأسك و رأس العاهرة الجالسة بجوارك" .
ارتبك الشاب جداً و خصوصاً بعد وصف الفتاة بالعاهرة و أغلق النافذة حتى لا يسمع المزيد من الشتائم اما الفتاة فتناولت قميصاً لها ملقى على المقعد الخلفى من السيارة و أسرعت باراتدائه و كأنما أحرجها وصفها بالعاهرة, اما الرجل فالتفت عائداً الى غرفته بعد أن تأكد أنهما سيغادران المكان.
داخل السيارة التفت الفتاة- بعد أن ارتدت قميصها الى الشاب- قائلة  بحدة " أعدنى الى المنزل" ..ارتبك الشاب و احمر وجهه أكثر فأشعل سيجارة و أدار محرك سيارته و انطلق بسرعة جنونية لا للخلف للمغادرة و لكن للأمام داهساً رجل الأمن تحت عجلات سيارته.
صرخت الفتاة من هول الموقف أما الشاب فانطلق بسيارته مسرعاً هرباً من المكان.

الساعة تقترب من الثالثة صباحاً , الرجل ملقى على الأرض ينزف من مناطق عديدة من جسده المثخن بالجراح و يأن طلباً للمساعدة و لكن ما من مجيب و فى مكان اخر فى صحراء المقطم يفتح الشاب باب السيارة التى تسير بسرعة كبيرة جداً  و يدفع الفتاة الراكبة بجواره الى أرض الطريق وواصل رحلته مسرعاً.


الساعة تقترب من الخامسة صباحاً , العديد من الكلاب الضالة تقترب من جثة الرجل الذى لفظ أنفاسه الأخيرة منذ قليل و تتشممه فى فضول و الراديو الترانزستور الصغير ما زال مفتوحاً على اذاعة أم كلثوم و صوتها يبدو كأنه قادم من عالم اخر و الشمع أوشك على الذوبان كله و بقايا ساندوتشات الجبن ملقلة باهمال على أحد الطاولات.
و فى أحد الشقق بمصر الجديدة, الشاب يبدو عاجزاً عن النوم و يتقلب فى سريره كثيراً قبل أن يقرر أن يشعل سيجاره و يجلس مفكراً فى مصير الرجل و الفتاة.


الساعة تقترب من السابعة صباحاً , الشمس تستعد للشروق و يوم عمل جديد على وشك البدأ.

 أوتوبيس كبير يقترب من المصنع حاملاً العاملين به و من بعيد تبدو جثة رجل فى الثلاثينات من العمر – و لكنه يبدو فى الخمسين- ملقاة أمام غرفة الحراسة و بالداخل صوت أم كلثوم ينبعث من راديو ترانزستور صغير.
****************************************************************

9/20/2011

زوايا رؤية


زاوية رؤيا

مروة

لقد رأيت سلمى و هى تقوم بذلك الفعل الشنيع ..رأيتها تمزق الأوراق و على وجهها علامات الخوف من أن يراها أحد تفعل ذلك .
أنا أعرف سلمى جيداً منذ اليوم الذى بدأت فيه العمل بشركتنا , حقودة ..غيورة ...لا تحب سوى نفسها .. نظارتها الطبية تزيد من مظهرها خبثاً و دهائاً.
لا تتكلم كثيراً لأنها دائماً ما تفكر فى ايذاء الاخرين فلا تجد وقتاً للكلام, عادة ما تبتسم ابتسامة صفراء مقيتة تذكرنى بال باتشينو فى فيلم محامى الشيطان .
تكيد لزملاء و زميلات العمل للحصول على الترقيات بشكل أسرع و لكن مسعاها دائماً يخيب لأن العدالة ما زالت موجودة و لم تغيب.
هل تريدون شهادتى على ما حدث ؟ حسناً ...سأقول ما رأيت حرفياً دون زيادة أو نقصان و دون أن أقحم رأيى الشخصى فى سلمى فى الشهادة.
كان يوم أحد , بداية الأسبوع و كنت أتجه الى كافتيريا الشركة لاعداد فنجان من القهوة المركزة-بنفسى فلو اعتمدت على سليمان عامل البوفيه لانتظرت ساعة على الأقل- لأستعيد نشاطى و قدرتى على التركيز و مررت على مكتب سلمى فرأيتها محدقة فى الشاشة أمامها و ترشف رشفات من قهوتها و تبدو عليها أمارات التركيز الشديد .. لم ترانى و أنا أحتل موقعاً متميزاً خلف أحد الأعمدة حتى لا أضطر الى القاء تحية الصباح عليها . رأيتها بعينى و هى تفتح الدرج و تنظر حولها فى بطء لتتأكد أنه لا أحد يراها ثم تخرج مجموعة من الأوراق – من المؤكد أنها أوراق الحسابات– نظرت فيهم قليلاً لتتأكد أنها الأوراق المعنية ثم  مزقتها الى عشرات القطع الصغيرة و ألقت بها تحت قدميها فى سلة القمامة و عاودت النظر الى الشاشة و ارتسمت على شفتيها شبح ابتسامة مقيتة.
هذا هو ما رأيت و لو أن سلمى كانت أمى أو أختى لقلت نفس الكلام فهذا هو حقاً ما رأيت.




يحيى

سلمى..يالها من فتاة ساحرة تلك الفتاة..جميلة جداً ..ترتدى النظارات الطبية فتبدو أكثر فتنة ..تبتسم ابتسامتها المعهودة فأشعر بانفراجة أمل فى هذا المجتمع البائس.
هى زميلة مكتبى منذ أن جاءت الى شركتنا..قليلة الكلام ...كثيرة الابتسام .أعتقد أنها كانت تستحق الترقية فى العام الماضى فهى تعمل كثيراً جداً و باخلاص و لم تنال الترقية لأنها لا تسعى اليها مثل الاخرين كمروة و غيرها,لا أعرف عنها الكثير و لكن من المؤكد أنها بريئة من تهمة الاتلاف العمد لبعض أوراق الحسابات الهامة.
نعم رأيتها فى ذلك اليوم تمزق أوراقاً و على الرغم من أننى لم أرى الأوراق المممزقة فمن المؤكد أنها ليست الأوراق المعنية فمن المستحيل أن تقوم سلمى بهذا العمل ابداً.لابد أنها أوراق عديمة القيمة و لذا فقد قررت سلمى – من باب النظافة- التخلص منها.
حسناً ..سأقول ما رأيت و لن أضيف رأيى الشخصى فى سلمى فى الموضوع.....
كان يوم أحد,بداية الأسبوع و كنت أتصفح بريدى الالكترونى المكتظ و أنا أحتسى كوب الشاى باللبن فى تؤدة و فى المكتب أمامى تجلس سلمى كالملاك الوديع تؤدى عملها كما هى العادة – بهدوء و صمت-  و تحتسى قهوتها المفضلة بالبندق ثم يبدو أنها تذكرت شيئاً ففتحت درج المكتب و على وجهها علامات الانزعاج- أمارة على اعتنائها بعملها- و أخرجت مجموعة من الأوراق نظرت فيهم قليلاً و تأكدت من عدم أهميتهم ثم مزقتهم الى قطع صغيرة و ألقت بهم الى سلة المهملات تحت قدميها و على وجهها ابتسامة عذبة و عادت الى ممارسة عملها بتركيز و اتقان و ابتسامتها الملائكية لم تفارقها.
هذا هو فعلاً ما رأيت دون اى اضافة أو حذف و لو كانت سلمى ألد أعدائى لما أضفت حرفاً أو أخفيت حرفاً, انها مسألة أمانة.



سليمان

الانسة سلمى...انها موظفة كبقية الموظفات فى الشركة...أعرفها منذ قدمت الى شركتنا و أنا أعد لها القهوة بالبندق بدون سكر كما تحب... لا تتكلم كثيراً ..فقط تشكرنى عندما اتيها بفنجان القهوة كل صباح و تبتسم ابتسامة عادية ...أراها تركز بشاشة الحاسب الالى أمامها ولست أدرى هل هى حقاً تعمل بكد و اجتهاد أم مثل الكثيرين تمارس ألعاب شيقة و تدعى التركيز . لا أعرف و لست مهتماً أن أعرف فهذا ليس من صميم عملى..
سأقول ما رأيت دون أن يدخل حكمى على الانسة سلمى أو غيرها فى الموضوع مع أننى لست مؤهلاً لاصدار الأحكام عليها أو على غيرها.
كان يوم أحد , بداية الأسبوع ..كنت أُقوم باعداد مشروبات الصباح لبعض موظفى الشركة بشكل روتينى.
ووضعت كوب الشاى باللبن أمام مكتب الأستاذ يحيى و أخذت أبحث عن أكواب فارغة فى بقية مكاتب الغرفة الخالية و خاصة أن لدينا فى الشركة بعض الموظفين المهملين الذين يفضلون وضع أكوابهم الفارغة على الأرض أو فى أماكن يستحيل على رؤيتها و لذا فلابد من البحث جيداً.
انحنيت أسفل أحد المكاتب الخالية لأبحث فلمحت بطرف عينى الانسة سلمى تنحى قهوتها جانباً و تفتح الدرج و على وجهها علامات من عدم الراحة و أخرجت مجموعة من الأوراق نظرت فيهم لبعض الوقت ثم مزقتهم و ألقت بهم الى صندوق القمامة و عاودت النظر الى الشاشة و ابتسمت نفس الابتسامة الحيادية كالعادة.
لا أعرف أكثر من هذا و لا أعرف اصلاُ ما هى متهمة به حتى أحدد اذا كانت بريئة أم مذنبة؟
هذة شهادتى و الله على ما أقول شهيد.



سلمى

تحقيق..اتلاف أورق الحسابات عن عمد...سرقة ...أنا ؟؟ كل هذة التهم موجهة لى أنا ؟!!
أنا لا أصدق أن يتم اتهامى بكل هذا, قد لا أكون الموظفة المثالية , قد أكون شديدة الاهمال و أضعت الأوراق غصباُ عنى , قد تكون مكيدة دبرتها أحد الزميلات و لكن أنا لم أتلف أى أوراق عن عمد.
سأحكى ما حدث بمنتهى الأمانة فى صباح ذلك اليوم المشئوم رغم أننى أعلم أن الحكاية قد تظهر مدى استهتارى و اهمالى فى عملى .
كان صباح يوم أحد , بداية الأسبوع ..كنت أجلس أرشف رشفات من القهوة بالبندق التى أحبها بدون سكر و أتابع صفحتى الخاصة على الفيس بوك.
نعم...الفيس بوك..فأنا قليلاً ما أركز فى عملى و ها هى النتيجة ...تذكرت و أنا أقرأ رسالة قديمة من احدى الصديقات أننى قد نسيت أرقاما ً  و عنوايناً هامة كتبتها لبعض المطاعم و أماكن التنزه فى درج المكتب.
خشيت أن يتهمنى أحد بالاهمال اذا ما عثر على هذة الأوراق بالاضافة الى أننى لست بحاجة اليهم فى الوقت الحاضر.
نظرت حولى فوجدت يحيى زميل المكتب لا يختلس النظرات الى- كعادته- و لمحت سليمان مشغولاً بالبحث عن شىء ما أسفل أحد المكاتب كما رأيت بطرف عينى شعر أشقر يظهر من خلف أحد الأعمدة,أغلب الظن أنه يخص مروة – التى تكرهنى دون سبب ما- و عندما تأكدت أن أحداً لا يستطيع أن يرى ما فى الأوراق فتحت درج المكتب و ألقيت نظرة سريعة لأتأكد أننى لست بحاجة الى تلك الأوراق مرة أخرى مزقتها الى قطع صغيرة و ألقيت بها فى سلة القمامة ثم عاودت النظر الى صفحتى الشخصية فوجدت دعابة من أحد الأصدقاء دفعتنى الى الابتسام رغماً عنى .
أين أوراق الحسابات؟ صدقونى لست أدرى ..أعترف باهمالى و أقبل أن تعاقبوننى عليه  و لكن لا تعاقبونىى بتهمة السرقة أو الغش لأننى لست لصة و لا مزورة و لم أمزق الأوراق عمداً.
صدقونى ...أقسم أنها الحقيقة.....
*****************************************************************




9/08/2011

صور

رشفت رشفة من الشاى الساخن الموضوع بجوارى ووضعت الكوب مرة أخرى على المنضدة , اعددت عدتى و بقيت فى حالة انتظار وعندما حانت منها الالتفاتة المطلوبة ....
معذرة , لم أقدم نفسى اولاً و لا أظن أن هناك من يعرفنى..اسمى خالد شاب فى العشرينيات من عمرى , لا داعى لوصف نفسى على طريقة قمحى اللون طويل قليلاً , متوسط الوزن ما بين البدانة و النحافة فهى لن تسهم على الاطلاق فى التعرف على اذا ما قابلتنى فى حياتك اليومية , و لذا فلتكتفى باسمى و فقط , أعمل مصوراً لحساب احدى الجرائد الخاصة و فى وقت فراغى أعمل مصوراً لحساب نفسى .
أحب مهنتى جداً فالكاميرا بالنسبة لى هى الة الزمن , عندما فكر العلماء فى اختراع الة للعودة الى الماضى لم يطرأً بذهن أحدهم أننا فعلاً نملك هذة الالة, فمن الممكن الان أن تعود طفلاً أو شاباً , أن تسترجع منظراً رأيته أو صحبة لا تتكرر.
كل هذا  صار ممكناً بفضل الكاميرا ... الان اعود لأحكى لكم عن فاتنتى التى قضيت أكثر من ساعة فى تصويرها دون أن تشعر ..كان هذا منذ  وقت طويل و لكننى أحتفظت بالألبوم الخاص بها ضمن أعز ألبوماتى والتى أطالعها بصفة دورية ..وجهها مصرى أصيل , سمرتها تؤكد لكل بنات الغرب أن الجمال المصرى – عندما يكون أصيلاً – لا أحد يقدر على منافسته , شعرها أسود ليلى طويل ينسدل فوق كتفهها و عيونها العسلية تلمع فى وجه الكاميرا و كأنها نجمة سينمائية رغم أن كل تلك الصور تم تصويرها دون أن تعرف.
أعطيتها – اى الفتاة – اسماً لن أقول لكم عليه فهو سر من أسرارى الخاصة و تخيلت حوارات كثيرة دارت ما بيننا فاكتشفت أننا متقاربون فى الكثير و الكثير من الأشياء.
استمرت الحياة على الوتيرة العادية من عمل و تصوير و غير ذلك و مضت الأيام و تزوجت من احدى قريباتى و عشت حياة تقليدية أشبه بحياة معظمكم , عمل فى الصباح ثم العودة الى المنزل, أيام جميلة أحياناً و مشاكل و شجارات فى أحيان أكثر...طفلة صغيرة زادت من أعباء الحياة مادياً و استهلكت معظم أفلام التصوير فى ألبومات يومية خاصة به , كانت زوجتى تكره الكاميرا و تكره التصوير و ترى فيها مضيعة للوقت و خصوصاً أنها كانت من أنصار الا تصبح الهواية عملاً و طالما طلبت منى الدخول فى مشروع تجارى لزيادة الدخل و لكننى دائماً ما كنت أحسم الأمر بقول " لقد خلقنى الله مصوراً و لا أصلح لأى شىء اخر غير ذلك " ..
هكذا كانت حياتى تسير  بشكل نمطى و لكننى لم أنس فتاة الكاميرا ابداً و كنت ما زالت أحرص من حين الى اخر الى الذهاب الى المكان الذى شاهدتها فيه منذ أعوام و لكننى مع مرور الوقت فقدت الأمل فى أن تظهر مرة أخرى.
فى ذات صباح جائنى خطاب من احدى شركات رجل أعمال مشهور يخبرنى فيه أننى قد فزت بالجائزة الأولى للمعرض عن احدى صورى التى نشرت بالجريدة و قيمة الجائزة خمسون ألأف جنيهاً , و فى النهاية مكان و ميعاد حفل تسليم الجوائز.
فرحت جداً بخبر فوز احدى أعمالى بجائزة و فرحت زوجتى جداً بمبلغ الخمسين ألف جنيه و قضت عدة أيام  مسسكة برزمة من الورق و قلم لحساب كيفية استثمار مبلغ الجائزة و أنا تجاهلتها و قررت التركيز فى تصوير الطفلة الصغيرة التى تحمل أحب الأسماء الى قلبى.
فى يوم الحفل, ارتديت بدلة جديدة فلا بأس من قليل من الانفاق فهناك خمسون ألفاً قادمة  فى الطريق و بدا شكلى لأول مرة مقبولاً لدى نفسى, أخبرت زوجتى بأن الحفل مقتصر على شخصىو لا يمكننى أن اصطحبها و هو ما رحبت به هى بعد أن صارت مطيعة جداً منذ أن علمت بخبر الجائزة , قد يكون هذا التزامن بين تغيير معاملتها و فوزى بالجائزة محض صدفة ثم ان بعض الظن اثم, سأعتبر هذا من البعض الاثم و ليس من البعض الاخر.
دلفت الى المكان فوجدت أن الحفل مقام لتكريم العديد من نجوم الأدب و السينما و ما أنا الا نقطة فى بحر المكرمين.
خرجت الى الشرفة لأدخن فرأيت وجهاً أعرفه جيداً , وجهاً قضيت  أكثر من ساعة منذ عدة أعوام فى تصويره خلسة من على بعد ... انطلق لسانى وحده باسمها ...
اسمها الذى سميته لها..التفتت متباغتة و نظرت الى طويلاً و قالت  مبتسمة و لكن اسمى ليس .....
بوغت من المفاجأة فصمت تماماً و كانت هى من قطعت الصمت "..أنت خالد عبد الحق المصور الفائز بجائزة أحسن صورة , أليس كذلك ؟"
ها هى مفأجاة أخرى فهى تعرف اسمى ؟ أجبتها بتلقائية و بسذاجة "و كيف عرفت ؟"
قالت أنها تتابع صورى بشكل ثابت كما أنها رأتنى فى ذات مرة فى الجريدة ..
لا أذكر أن صورتى ظهرت فى الجريدة الا فى مرة واحدة عندما أنجبت ابنتى التى سميتها على اسمها الذى لم يعد اسمها منذ دقائق ..من الواضح أنها متابعة جيدة لى و لصورى .
تابعت قائلة " هل تعلم ؟نظرات الطفلة فى صورتك تستحق جائزة عالمية و ليست فقط جائزة محلية ؟كما أن منظر الخلفية من فرط ملائمته يبدو و كأنه غير حقيقى "
ابتسمت فى بلاهة و لم أرد و استمرت هى تسرد تفاصيل عن صور نشرت لى فى الجريدة ..تفاصيل أنا نفسى لا أذكرها ... وعندما أعلن عن بدأ مراسم الحفل لمحت انزعاجاً فى عينيها و مدت الى يدها للسلام قائلة " فرصة سعيدة جداً يا أستاذ خالد .. سلامى لابنتك ..... بالمناسبة أنا أحب اسمها كثيراً و لكننى لا أفهم كيف تصورتنى هى فى بادئ الأمر , ان فرق العمر بينننا كبير " .. قالتها و ضحكت و تركتنى غارق فى عرقى و حيرتى .
دلفت الى داخل القاعة دون أن أدخن و أخذت أتابع المراسم بعين واحدة بينما العين الأخرى تبحث عنها و جاء دورى لاستلام الجائزة فصعدت الى المنصة و استلمت الجائزة من رجل الأعمال المعروف و بعدها  استسسلمت لعيون المصورين فى بساطة و عيناى تجولان المكان بحثاً عنها و عدت الى مكانى متوتراً و جلست به حتى انتهى الحفل و استعديت لمغادرة المكان فسمعت صوتاً هو صوتها ينادى باسمى , التفت فوجدتها تتأبط ذراع شاب وسيم و قالت " أعرفك يا أستاذ خالد... الفنان الشاب ...الفائز بجائزة أحسن ممثل شاب و زوجى

قدر

1
مهموماً يائساً يخرج من باب الجامعة بعد اعلان النتيجة , ها هو عام جديد قد مضى دون أن ينجح فى أن ينجح ...ها هو عامه الرابع فى السنة الثانية و عامه الثامن فى الكلية التى يبدو أنه سيعيش فيها للأبد , محبطاً يتجاهل اتصالات أخته الكبرى و اتصالات فتاته, الأولى تفهم ما فى الأمر فتقرر ألا تتصل ثانية اما الثانية فتصر على الاتصال فتنفلت أعصابه و يجيبها منفعلاً و يخرج كل شحنات انفعاله فيها ويسبها و ينهى المكالمة.
يضع هاتفه فى جيبه و يشعل سيجارة , يجلس على الرصيف فى ملل و احباط فاق الحدود, تمر سيارة يقودها شاب فى عمره و الى جواره فتاة جميلة ويبعثر مياة المجارى المتكومة على الأرض على ملابسه .
يشعر بأن الكون كله يعانده و أن لا أحد يريده فى الحياة , تزداد فكرة الموت لمعاناً فى ذهنه كحل أخير لكل ما يمر به من مشاكل لا نهاية لها.
متسخ الملابس جالساً على الرصيف يخرج هاتفه المحمول فيجد رسالة من فتاته تخبره بأنه فاشل و يعلق فشله عليها و تعلمه بأنها لا تود أن تعرفه مرة أخرى.
ها هى مصيبة جديدة تضاف الى مصائبه , يضع هاتفه فى جيبه و يخرج من جيبه الاخر عدة عملات معدنية يعدها بسرعة و يبتسم فى استهزاء و يستعد للذهاب الى مسكنه الذى يعيش فيه وحيداً منذ زواج أخته الكبرى التى لولا مساعدتها له مادياً من وراء زوجها لما بقى على قيد الحياة.
 يعبر الطريق ليقف فى الموقف منتظراً الأوتوبيس الذى سيقله الى البيت بملابس متسخة و روح محبطة يائسة وفكرة الانتحار قد تمكنت منه كلية خصوصاً بعد سماع سخرية لاذعة من مجموعة شباب يتسكعون فى الطريق بلا هدف و يستقر ذهنه على الفكرة و يستعد لتنفيذها فيتقدم بضع خطوات الى الأمام حتى يصبح فى عرض الطريق.
2
 يشعل سيجارة فى غرور و كبرياء و يرمق الفتاة الجميلة الجالسة الى جواره فى السيارة و قد امتقع وجهها , ها هى تعود مرة أخرى للحديث عن ضرورة الزواج من أجل السترمن الفضيحة التى تسبب فيها , يستمع اليها فى لا مبالاة و لا يرد على كلامها الذى بدأ يتحول الى رجاء تقريباً , مسكينة هى لا تعرف أنها ليست الأولى التى يغرر بها ولا تعرف أنه لن يتزوج بها ابداً و لا بغيرها لأنه بالفعل متزوج و رزقه الله بطفلة منذ أسابيع قليلة و لكنه لا يكف عن التغرير بالفتيات الجميلات مثلها , حباه الله بأسرة غنية ساعدته على اتمام زواجه فى سن مبكر كما رزقه الله بزوجة و طفلة من أروع ما يكون و لكنه تعود على التدليل و لم يكف عنه فقد استمر فى اقامة علاقات مع فتيات بريئات أوهمهن كلهن أنه الزوج المنتظر حتى حصل على غرضه منهن ثم لاذ بالفرار , هذة الفتاة تعجبه و لذا فهو ما زال محتفظاً بعلاقته بها الا أن حديثها المتكرر عن ضرورة الزواج بدأ يزعجه فقرر الا يقابلها ثانية و أن ينهى علاقته بها الان.
حاولت زوجته معه مرات عديدة منذ زواجهما و قد ظنت أنه بعد أن رزق بطفلة سيكف عن ضلاله و لكنها وجدت على هاتفه المحمول رسائل و مكالمات أكدت لها أنه فى علاقات جديدة وأنه لا فائدة ولا أمل من انصلاح حاله الا  فسلمت أمرها الى الله داعية له بالهداية بعد أن يأست من نصائحها الى تذهب هباءاً.
يسرع بالسيارة حتى يوصلها الى بيتها و يعبر فوق بركة من مياه المجارى فيغرق شاباً يائساً جالساً على الرصيف بها دون أن يدرى.
يصل الى منزل الفتاة فى نهاية الشارع فينزلها أمام منزلها و يستدير فى الاتجاه المعاكس ليمضى مسرعاً فى طريق العودة باحثاً عن تجربة جديدة و فتاة أخرى بريئة, يخرج زجاجة صغيرة من الخمر و يجرعها فى بطء وهو ينطلق بالسيارة.
الشارع شبه خال فيزيد من سرعته و  فجأة يجد شاباً متسخ الملابس يقفز الى منتصف الطريق و تصبح مفاداته مستحيلة
3
 عربة شرطة و عربة اسعاف و عشرات المارة فى الشارع تجمعوا لرؤية الحادث المروع و فى وسط المشهد جثة شاب متسخ الملابس تغطيها حفنة من أوراق الجرائد و شاب ذو ملابس منمقة يبكى منهاراً ويقسم أن الشاب الاخر هو من ألقى نفسه فى عرض الطريق ولا أحد يصدقه.
رجل شرطة يخرج زجاجة شبه فارغة من الخمر من السيارة و يتوجه الى الشاب الباكى الجالس على الرصيف و يمسك به بقوة و يستعد الجميع للذهاب

دعوة زفاف

كما تبدو أيام العمل متشابهات فان أيام عدم العمل تبدو ايضاً متشابهات ..لا يوجد جديد فى حياتى منذ أن تركت العمل فى شركة الدعاية و الاعلان التى ظللت أعمل بها عدة أعوام و قدمت استقالتى منها منذ عدة شهور , يومياً أستيقظ فى الثانية ظهراً أو بعد ذلك فاخذ حمامى و اعتنى جيداً بزينتى و أذهب الى مصفف الشعر و من بعده الى النادى أو الى احد الكافيهات المحيطة بالنادى , أفتح اللاب توب و أطالع جديد الأصدقاء لعدة ساعات ثم أعود لتناول الغذاء مع أمى التى تعود من عملها قرب المغرب تقريباً , بعد الغذاء أقضى وقتى فى الاعداد لسهرة المساء التى عادة ما تبدأ فى التاسعة و تكون بمنزل احدى صديقاتى العاطلات عن العمل و الزواج مثلى و لا يكون بها أكثر من التدخين و مشاهدة فيلم احياناً يكون فيلماً ثقافياً و النميمة ولعب الورق الذى تحول الى قمار مؤخراً كنوع من أنواع كسر روتين اللعب و مع اقتراب منتصف الليل نعود الى منازلنا فمازال أهالينا يشعروننا أننا ناقصات الأهلية و لا يصح أن ينتصف الليل علينا و نحن لسنا بالمنزل على الرغم من اقترابنا من سن الثلاثين و بعد العودة الى المنزل نكمل السهرة على الانترنت او فى مكالمات طويلة لا طائل من ورائها الا اهدار الوقت.
فى تلك الليلة فتحت اللاب توب كالعادة فوجدت دعوة لزفاف احد زملاء الدراسة القدامى و يشير التاريخ الى الجمعة القادمة و توجد صورة لزميل الدراسة فى نفس هيئته منذ أعوام و الى جواره فتاة غير جميلة تلتصق به و تبدو عليها علامات السعادة فى شكل كرتونى سخيف جداً و على الحائط الخاص بالدعوة كتب الكثيرين كلمات تهنئة تقليدية تحتوى على الكثير من الاستظراف و محاولة جذب انتباه الاخرين ممن يرونها.
سجلت حضورى الكترونياً و كتبت على الحائط مثلهم كلمات تقليدية للغاية فعلاقتى بالعريس محدودة للغاية و قد كانت مقطوعة منذ أن تخرجنا من الجامعة.
أقل من دقيقة و أجد اعجاب بما كتبته من شخص لا أعرفه, أفتح ملفه الشخصى فأجده شاباً وسيماً يبدو فى الثلاثينيات من عمره , أتصفح صوره فأجده حقاً وسيماً جداً و ليست مصادفة صورة الملف الشخصى , تفاجأنى التنويه عن وجود رسالة جديدة فى الصندوق الخاص أفتحها فأجدها منه " منتظر أن أراك الجمعة القادمة فأنا على ثقة أن صاحبة الصورة تفوق الصورة بهاءاً و جمالاً " ..كتبت الرسالة بانجليزية متقنة وممتازة و بلا خطأ واحد , احترت ماذا أفعل , هل أرد أم اتجاهله و ان قررت أن أرد فماذا أكتب له؟هل أوبخه على ارساله لى دون سابق معرفة و لو لمته هل ألومه بعنف و بقسوة أم بدلال و رقة ؟الحقيقة أننى أعجبت بجرأته و لكننى قررت عدم الرد.
فى اليوم التالى فتحت الجهاز و أرسلت له كلمة واحدة هى " شكراً "
بدأت الاستعداد مبكراً لحفل الزفاف فاشتريت فستاناً جديداً قصيراً للغاية و بلا أكمام وردى اللون جعلنى أقرب لنجمة سينمائية عندما ارديته و بعدها صبغت شعرى بلون يتماشى مع فستانى الجديد و قضيت يوماً كاملاً فى شراء الاكسسوارات الخاصة بالفستان حتى جاء الخميس فصرت مستعدة تماماً للزفاف كما لو أننى من ستزف بالغد و لم يبق الا اللمسات النهائية التى لابد أن تكون فى اليوم ذاته.
أشغلتنى ترتيبات الحفل عن متابعة الانترنت فى اليومين الأخيرين و عندما فتحته وجدت رسائل كثيرة معظمها كالعادة من أناس لا أعرفهم من نوعية ( الدكتور عبد الوهاب حمزة ) و ( م.شريف اللباد ) فمسحتهم كالعادة دون قراءة ووجدت ايضاً عدة رسائل من زملاء دراسة يسألوننى عن اذا ما كنت سأذهب الى الحفل ؟ و بعضهم يعرض أن نذهب معاً رغم بعد المسافة بين مسكن كلا منا!
لم أندهش كثيراً فمنذ أن فسخت خطبتى فى العام الماضى و كل من أعرفهم من رجال يشعرون و أننى قد أصبحت مشاعاً للجميع و كلهم يرغبون فى التقرب و خطب الود و كأن الفتاة التى تفسخ خطبتها على استعداد للدخول فى علاقة سريعاً و دون أسباب.
و مما زاد أكثر من تطلعاتهم أننى قد خلعت حجابى منذ فترة قصيرة و يبدو أن صورتى الأخيرة دون غطار رأس قد أثارت انبهار العديد ممن أعرفهم فقد عادوا الى وصل علاقات انقطعت منذ قديم الأزل من جديد.
اللعنة على تفكير الرجال فى مجتمعنا المتخلف البائد الفكر , انهم يظنون أن تركى لخطيبى و خلعى للحجاب يعنيان نيتى المبيتة فى التحول لفتاة ليل أو فى نظر أكثرهم تحضراً و تحرراً اشارة لاقامة علاقة عاطفية مع من يريد.
تجاهلت الرد على كل الرسائل و ذهبت للنوم مبكراً حتى أبدو فى أبهى صورة وقت الزفاف ومنذ صباح الجمعة و أنا أضع اللمسات النهائية حتى حلت الساعة الثامنة فصرت مستعدة تماماً للظهور فى الحفل.
انتظرت صديقتى التى تأخرت برهة ثم ركبت فى سيارتها متجهة الى الفندق الفاخر و منذ دخولى الى الحفل فقد لاحظت أنه حقاً مبهر و مكلف و لا يعكر صفوه الا انخفاض نسبة جمال العروس.
التقيت بالعديد من زملاء و زميلات الدراسة على نفس الطاولة و منهم من عاتبنى برقة على خلعى للحجاب و منهم – و هو فريق ضم أغلب الرجال – من أخذ يثنى على جمالى فى ال( نيو لوك) و اتفق الرجال جميعاً – حتى المتزوجين- على النظر الى جسدى بشكل مقزز و تفحص كل جزء منه ببجاحة لم اعتدها من قبل.
أخذت أجول ببصرى بحثاً عن مرسل الرسالة فلم أجده و حاولت تحمل لزاجة الزملاء من نظرات خادشة للحياء و دعوات للسهر و السفر معاً رغم ضعف العلاقة بيننا.
مرة أخرى ..تباً لعقلية رجال هذا المجتمع...
ام أستطع أن أتحمل أكثر فخرجت من القاعة لتدخين سيجارة من المؤكد أننى لو أشعلتها و أنا محاطة بهذة العقليات فلن أتعجب لو تهجم على أحدهم محاولاً اغتصابى أو بعرض مقابل مادى على لقاء ليلة حمراء.
مددت يدى أعبث بها داخل الحقيبة بحثاً عن قداحة فسمعت صوت قداحة و رجل ( بعد اذنك) , نظرت فوجدته أمامى ,  يشبه صورته على الانترنت كثيراًتغلبت على دهشتى و تركته يشعل سيجارته و يشعل لنفسه واحدة ..كان أنيقاً للغاية ووسيماً ..عرفنى بنفسه فى كلمات موجزة و سألنى عدة أسئلة جاوبته عليها فى تلقائية و مر الوقت و نحن نتحدث بسلاسة و بلا حواجز و كأننا نعرف بعض منذ زمن بعيد.
هبطنا معاً الى الكافيه الموجود بالدور الأرضى دونما اتفاق و جلسنا  نتبادل الحديث لساعات و بعدها صار كلا منا يعرف الاخر جيداً .
عرض على اصطحابى فى جولة فى شوارع القاهرة التى تكون جميلة جداً فى الليل فوافقت بلا تردد مثل المسحورة وسرت معه الى سيارته و ركبت بجواره.
أغلقت الهاتف المحمول فى وجه أمى التى اتصلت عدة مرات و استسلمت له تماماً و هو يداعب شعرى بأصابعه و يطبع على شفتاى أول قبلة من رجل فى حياتى ..
شعرت كالمغيبة عن الوعى و السيارة ما زالت تسير و قد احتضن خصرى فى حنان و داعبنى بلمسات لم يعرفها جسدى من قبل , لم أفق الا عند توقف السيارة أمام مبنى على الطريق السريع, طلب منى النزول فأطعته كالممسوسة دون تفكير.
دلفنا الى داخل المبنى الذى هو فندق من ذوى النجوم الثلاثة , حيا المرأة الجالسة فى الاستقبال بفتور فابتسمت ابتسامة صفراء , صعدت معه الى غرفة فتحها دون مفتاح و أحكم اغلاق الرتاج من الداخل.
بدأت أشعر بتوتر بعد اغلاق الباب و لكنه احتوانى فى حنان و بدأ فى تقبيلى برقة و بهدوء سرعان ما تحولا الى فوران من العاطفة و الرغبة فشعرت بتوترى يزيد بسرعة و خاصة عندما بدأ يحاول نزع فستانى بقوة مما دفعنى لدفعه بعيداً عنى بتوتر و بقوة.
ارتبك و أخذ يمسح عرقاً تصبب على جبينه ثم حاول احتضانى مرة أخرى فرفضت بشدة رغم تكرار محاولته أكثر من مرة , فجأة لمحت تعبيرات الانفعال على وجهه و قام من مجلسه و أخرج حافظة نقوده من جيبه و ألقى فى وجهى بورقة بمائتى جنيه.
انتفضت كالمذعورة من مكانى و حاولت الفرار فأمسك بذراعى بقوة و قال ( حتعمليلى فيها شريفة يا ش.... ) ..نزلت الكلمة على أذنى كالصاعقة و لم أشعر بنفسى الا و أنا أهوى بكل ما أوتيت من قوة على وجهه بصفعة لم أصفعها من قبل لأحد و جريت نحو الباب فعالجت مزلاجه و خرجت و أنا أسمعه يكيل لى السباب..
هل أنا فعلاً كما قال ؟هل تحولت الى ذلك ؟أم أننى أعيش فى مجتمع متخلف لا يعطينى الحرية الكاملة ؟أشعر بتشوش أفكارى و عدم القدرة على فهم اى شىء مما حولى ...
خرجت الى الشارع فى حالة يرثى لها والسيدة فى الاستقبال توجه لى كلاماً لا أسمعه ولا أفهمه و أحاول جاهدة الهروب من هذا الموقف المحرج و الوصول الى المنزل

ذكرى

الذكرى تعاودنى .انتهى من عملى و الذكرى تملأ رأسى و المشهد لا يفارق شاشة خيالى , مشهد الليلة الموعودة و عيون الناس, نظراتهم الغريبة و لمسات بعضهم الحانية على كتفى فى الظلام.
لا اذكر شيئاً قبل هذة الليلة  التى تعود لتطل من نافذة الماضى بلا انقطاع و باستمرار , أتذكر و أنا أكاد أموت جوعاً و عطشاً و برداً , يحمل البعض الى الماء و يحمل الاخرون الطعام,اكل بشغف و بلهفة البقاء فى الحياة و يرحل الكل و يبقى رجل كبير طاعن فى السن ذو لحية بيضاء , يبتسم ابتسامة حنون و يصحبنى من يدى الى المكان الذى سأقضى فيه فيما بعد سنوات كثيرة من عمرى.
 أفيق من ذكرياتى و أعود الى اللحظة الحالية و اطرد ذكرياتى بالقوة التى اعتدها فهى تهاجمنى فى كل ليلة أعمل بها , أعد النقود جيداً و أدسها فى جيبى بلا مبالاة , أفتح الباب و أهبط دون سلام, أشير الى سيارة أجرة و أركب فى المقعد الخلفى و أحاول أن أتحمل سخافة السائق الشاعر بالملل و قد صار مملاً للغاية.
أصل الى المنزل فأهبط و أعطيه حسابه و اصعد درجات السلم فى بطء من ليس لديه ما يفعله.
أدلف الى المنزل و اغلق هاتفى المحمول و القيه بعيداً , اخلع كل ملابسى و اسير بلا ملابس الى الحمام و احاول أن أغسل بالماء روحى مع جسدى, ما زالت ذكريات الليلة تداهمنى و أنا تحت الماء البارد.
...أعتقد انه لولا تلك الليلة لاصبحت احيا حياة أخرى تماماً , كان من الممكن – بل من المؤكد – أن حالى سيتبدل و سأحظى بحياة أخرى غير تلك التى أحياها.
أعلم جيداً أنه من المستحيل تغيير الماضى و لكننى لا أرغب فى تغييره و لككنى أرغب فى أن أنساه فقط.
أريد أن انسى تلك الليلة و ما بعدها ..
اريد أن أنسى مظهر أبى و هو مستغرق فى الضحك من حكاية أمى التى ترويها له و هى جالسة الى جواره فى السيارة .
أريد أن أنسى أن هناك سيارة كانت تقطع الطريق و أن أنسى أننا اصتدمنا بها بكل قوة
أريد أن أنسى الدماء التى ملأت المكان و ان انسى أننى ركضت و ركضت حتى وقعت من التعب
انهى حمامى فانتشف جيداً  و اذهب الى غرفة نومى , لا أشعر بالرغبة فى النوم و لا فى مشاهدة التلفاز , انظر الى الساعة فأجد الوقت مبكراً و بالامكان العمل مرة أخرى ..تراودنى الرغبة ذاتها فى النزول الى الشارع وصفع كل من أقابله على وجهه بكل قسوة و عنف.
ماذا لو كان أبى قد رأى السيارة و هى تقطع الطريق؟
ماذا لو لم تحكى له أمى تلك الحكاية ؟
ماذا لو لم ترق له الحكاية فلم يضحك؟
ماذا لو لم تحدث تلك الحكاية ابداً لتحكى من الأصل؟
ماذا لو لم أركض من السيارة فى ذعر و انتظرت الى جوارها؟
ماذا لو لم يقرر الرجل الطاعن فى السن ايداعى الدار؟
ماذا لو كنت هربت من الدار ؟
ماذا لو لم أستجب للغواية الأولى  داخل الدار و التى لم تكن الأخيرة ؟
ماذا لو كنت وفقت فى الحصول على عمل بعد تركى للدار؟
ماذا لو واحدة من هؤلاء كانت ستغير مجرى حياتى..
أقوم فاتوضأ و أصلى – و هى عادتى التى لا أقطعها ابداً – فأشعر بالراحة النفسية و تذهب ذكرى تلك الليلة بعيداً مؤقتاُ.
ارتدى ملابسى و أتزين جيداً و أصفف شعرى بعناية و أرش على نفسى  قليلاً من العطر ثم أضع ما تبقى فى الحقيبة بجوار قميص النوم الأحمر.
أهبط الى الشارع متجاهلة نظرات من أقابلهم على السلم او فى الطريق.
اصل الى مكانى المعتاد فأقف و أفاضل بين عدة سيارات  توقفت و بالخبرة و الاحساس اختار واحدة منهم و أركب فتعود لى ذكرى الليلة الموعودة

اعدام

بخطوات واثقة سار بتؤدة و برأس مرفوعة عالية تتطلع الى النهار القادم.
الطقس أكثر من رائع و النسمات القادمة من الشمال تبشر بنهار ربيعى مثالى الجو.
هذا النهار هو نهاره الأخير فى الحياة.
يبتسم سره من سخرية القدر و يحتار هل يحزن لأنه لن يتمتع بهذا اليوم الرائع أم يفرح لأن اخر أيامه فى الحياة يبدو يوماً رائعاً؟
من مكان ما يستمع الى تغريد العصافير , ينصت السمع فيجدها أغنيته المفضلة و لكن من عزف و غناء العصافير , يبدأ فى التمايل يميناً و يساراً مردداً كلمات الأغنية التى يحفظها عن ظهر قلب , يستمر فى التمايل فى سعادة تدهش من يسيرون خلفه فى الموكب و كبيرهم ينظر اليه مستهزءاً كما لو كان ينظر الى شخص مجنون.
يعتلى درجات المنصة بسرعة كما لو كان يتعجل الأمر و لا يرغب فى أن يطيل عمره قليلاً.
فى لحظة واحدة يرى أمامه شريط حياته كما لو كان فيلماً يمر فى ذهنه منذ الطفولة و حتى اللحظة الحالية.
يبكى, يضحك , يستثار , يشمئز , يفخر , يندم و يبتسم ..كل هذا فى نفس اللحظة.
يا مرحباً بالموت فلا يوجد لديه من أو ما يعيش لأجله, يكفى ما أفناه من عمر من أجل الوطن.
الوطن....ما هو الوطن .... هل هو الأرض أم المبانى أم السلطة الحاكمة أم الناس أم الذكريات أم مجرد الشعور بالانتماء الى شىء ما؟
هل من كانوا يسيرون خلفه الان هم أبناء نفس الوطن, هل من يحكم الان ربط الحبل حول عنقه يعمل من أجل الوطن أم ضد الوطن؟
هل كان هو نفسه يخدم الوطن أم كان مخطئاً يضر الوطن و يؤذى نفسه ؟
هل من أصدر الحكم ضده يكره الوطن ؟ أم أن الحقيقة أن لكل منا الوطن الخاص به؟ يحبه و يعمل من أجله بالطريقة التى يراها من مصلحة الوطن؟
الوطن ...يالها من كلمة تحمل الاف بل ملايين المعانى.
المجد كل المجد لك يا اينشتين , فنظرية النسبية تثبت نجاحها و عبقريتك يوماً بعد اخر, ها هو الوطن نفسه قد صار نسبياً ...اه يا ألبرت أنك حقاً معجزة!!
يغمض عينيه فى انتظار اللحظة الموعودة , يسألأونه عن رغبته الأخيرة فيحتار هل يطلب فنجاناً من القهوة أم وجبة فطور ؟سؤال سخيف فى غير محله ! فالطلب الأخير محير حقاً و لكنه يتجاوز حيرته و لا يطلب شيئاً فقط يفتح عينيه ليتمتع بالنظرة الأخيرة الى الحياة فيراها.
تصطدم عيناه بعيناها بغتة؟ متى دلفت الى هذا المكان ؟ و ماذا تفعل ؟يجيب معطفها الأبيض على السؤالين.
يطيل النظر الى عينيها التى تشع ضوئاً منخلف النظارات الطبية.
تبتسم له و كأنها بابتسامتها و نظراتها تقول له كلاماً كثيراً , كأنها تشكره على ما قدمه من أجل وطنه وتعاتبه – فى نفس الوقت- على عدم حرصه ووقوعه فى يد هؤلاء.
عينها اليمنى تمتن له على تضحياته  و اليسرى تلعن شجاعته الزائدة أو عدم حرصه الذى أوقعه فى الفخ.
يبادلها النظرات يتجاهل الامتنان و العتاب و يرد بنظرة أنا أحبك و أريد أن أعيش من أجلك أنت فقط, من أجل أن أكون معك و أن أرى عينيك مرة أخرى.
اللعنة على سخرية القدر مرة أخرى , ها هى من يحبها الان, لحظات قليلة و ستنحنى على جثته لتعلن وفاته رسمياً, راها بعين الخيال تنحنى لتفحص نبضه و تدون كلمات قليلة فى النوتة التى تحملها تعلن  بها أنه قد صار – رسمياً – ميتاً.
قطع حبل أفكاره صوت حبل المشنقة و ان هى الا لحظات قليلة و كان قد صار فى عداد الأموات.
انحنت بمعطفها الأبيض تفحص نبضاته و دونت بشكل روتينى كلمات قليلة فى النوتى التى تحملها.
تماماً نفس المشهد الذى راه بعين الخيال لم ينقصه الا تفصيلة واحدة.
دمعة ساخنة انحدرت من عينيها من أسفل نظارتها لتحرق خدها

غرفة الذاكرة

الضباب يسود المكان , الرؤية صعبة للغاية, الاستمرار فى القيادة فى وسط هذا الضباب تعنى مخاطرة غير مأمونة العواقب, أتوقف بالسيارة على جانب الطريق و أشعل سيجارة أدخنها فى استمتاع و أفتح النافذة قليلاً ليخرج الدخان منها.
أرجع بالكرسى الى الوراء و أواصل الاسترخاء فى مكانى , يبدو أنه ما زال هناك وقت حتى ينقشع الضباب و توضح الرؤية لأواصل طريقى .
ألقى بالسيجارة من النافذة الى الضباب و أشعر بالرغبة فى النعاس تطاردنى , أغلق عيناى و ترهف حواسى فأسمع صوتاً هامساً ينادينى من بعيد .
أرهف السمع أكثر,  أتأكد أننى المعنى بالنداء.
أفتح باب السيارة و  أترجل منها . الضباب يجعلنى عاجزاً عن أن أرى أمامى فأتحرك ببطء باتجاه الصوت و أفرد يداى أمامى محاذراً من الاصطدام بشىء فى طريقى , يزداد الصوت اقتراباً منى .. أتعثر فى شىء ما , أمد يدى و التقطته , انه مفتاح غريب الشكل . أضعه مكانه مرة أخرى و أواصل التقدم نحو الصوت الذى يخفت , يبدو أننى لست فى الاتجاه الصحيح.
مرهفاً السمع أكثر أعاود تتبع الصوت الذى يزداد قوة , تلمس يدى المبسوطة أمامى  شيئاً ما فيتوقف الصوت تماماً , أتحسسه بيدى و أقترب فأراه من وسط الضباب , انه باب خشبى يحمل لافتة فوقه على ما يبدو , أرفع رأسى لأرى اللافتة فتبدو كلمة واحدة ( الذاكرة ) و الباب نفسه لا يوجد به اى علامات . أدفعه فلا يستجيب.
يبدو انه بحاجة الى مفتاح ....
مفتاح ... نعم ... لابد أن ما عثرت عليه و ألقيته كان مفتاح هذا الباب , أعود أدراجى سالكاً نفس الطريق و سط الضباب محاولاً تذكر أين تركت المفتاح, بعد فترة ليست بالقصيرة و لا بالطويلة من الزحف على الأرض أعثر على المفتاح.
أتنهد فى ارتياح و أحمله و أذهب من الجهة الأخرى بحثاً عن الباب, الصوت قد توقف فأصبحت المهمة أكثر صعوبة , هل كان الباب مصدر الصوت أم ما وراء الباب؟
ها هو الباب ... أدخل المفتاح  فى الباب فيفتح , أدفعه برفق و أدخل الى ما وراء الباب. أدلف الى الداخل ..فى الداخل لا يوجد الضباب .. الرؤية واضحة للغاية, اتأمل الغرفة  العجيبة ذات الاسم العجيب ...قطع أثاث ملقاة بعدم اعتناء فى كل مكان .. .كتب كثيرة و قبور قليلة فى أطراف الغرفة , فصل دراسى فى الركن الأقصى من الغرفة و مدرج جامعى على يسارى , مسجد و شيخ على يمينى و أمامى ملعباً لكرة القدم, مقهى يحتل منتصف المكان العديد و العديد من التفاصيل التى من المستحيل أن تجتمع فى مكان بهذا الحجم ابداً ..
ما هذا ؟ ؟
اننى أعرف كل هذة الأشياء .. هذا هو فصلى و ذلك الشيخ هو جدى ....هذا القبر لعمتى و الاخر لزميلة دراستى .. انها غرفة ذكرياتى أنا ...
أغلق الباب من خلفى حتى لا يدخل الضباب فأجد ورقة معلقة خلف الباب تماماً كما فى أى غرفة فى فندق محترم.
أقترب لأقرأ الخط الصغير, مكتوب على الورقة ( تعليمات  زيارة غرفة الذاكرة)
اولاً: وقت الزيارة: لا يجوز البقاء فى غرفة الذاكرة لأكثر من ساعة واحدة و عند سماع تنبيه المغادرة لابد و أن تغادر الغرفة فوراً و تغلق الباب خلفك بالمفتاح حرصاً على عدم ضياع الذكريات.
ثانياً : قاعدة الأمان: لا يجوز اطلاقاً نقل اى شىء من غرفة الذاكرة الى خارج الغرفة كما لا يجوز العبث بمحتويات الغرفة او محاولة اتلافها حرصاً على سلامتكم
ثالثاً : قاعدة الخصوصية : اذا كانت هذة الغرفة لا تخصك فمن فضلك أخرج منها الان حرصاً على خصوصية ذكريات صاحبها و تخيل نفسك مكانه و أحد بداخل غرفة ذاكرتك يعبث.
رابعاً: قاعدة المسئولية : مقتنياتكم الثمينة و غير الثمينة مسئوليتكم الشخصية, فى حالة ضياع اى من متعلقاتكم فان الغرفة غير مسئولة عنها لأنها حينئذ سوف تصبح جزءاً من الماضى و الذكريات و لن تتمكن من استعادتها فى أرض الواقع.
نتمنى لكم زيارة ممتعة و الاستمتاع بغرفة الذاكرة.

انهيت قراءة التعليمات و قررت الانصياع لها ووقفت و أسندت ظهرى للباب و أنا حائر من أين أبدأ ؟
توجهت ناحية الفصل الدراسى الساكن فما ان اقتربت حتى بدأ الفصل الساكن يتحرك , ها هو أنا و معى زملاء الدراسة نواصل مضايقتنا اللا محدودة للمدرسين فى المدرسة, ها هن زميلات الفصل يضحكن من أفعالنا الشيطانية , ها هى الفتاة التى يرغب معظم تلامذة الفصل من التقرب اليها , انها النموذج المعتاد الشعر الأصفر و العيون الخضر و الثقة بالنفس, الحمد لله لست من كتيبة المعجبين بها.
لابد الا أضيع وقتى فى الفصل فقط فالساعة تقول أن أكثر من ثلث الساعة قد مضى و أنا أراقب الفصل و من قبلها طبعاً وقتاً ضائعاً فى قراءاة ورقة التعليمات.
أتحرك ناحية الكتب و أبدأ التقليب, يوجد الكثير و الكثير من الكتب بدءأ من مجلدات ميكى و حتى المجلدات الضخمة للدكتور المسيرى , روايات كثيرة و كتب أكثر, دواووين شعر و قصص و غيرها . أتصفح بعض الكتب أجد صفحات موجودة و أخرى ممسوحة , يوجد كتب لا أمتلكها الان وأرغب فى قرائتها أو على الأقل تصفحها لكن لا يوجد وقت  , على أن أواصل الرحلة قبل انتهاء الساعة .
أتحرك بسرعة باتجاه المدرج الجامعى, تبدأ الحياة فيه بالتحرك بمجرد اقترابى كأننى قد ضغطت على زر التشغيل, ضجة عارمة تنبعث من المدرج و أرانى و أنا أعطى ظهرى للمحاضرة و انهمك مع فتاة نائمة بجوارى فى حديث هامس و أنا احتضن خصرها من تحت المدرج. أتذكر تلك الأيام فأضحك و أنظر فى الساعة فأجد أن الساعة تبقى منها فقط عشر دقائق, أذهب لزيارة القبور و أقرأ الفاتحة لكل موتاى و أمر ببقية الغرفة سريعاً , أشاهد نفسى رضيعاً و طفلاً و مراهقاً و شاباً و أجد نفسى أقود سيارتى متجهاً الى الساحل الشمالى , ما هذا انها لقطة هذا الصباح ؟ هل صارت من الذاكرة ؟؟!!
أود أن أصحب بعض الأشياء معى من الغرفة و لكننى أتذكر التعليمات فأتراجع عن الفكرة.
تنبيه المغادرة يرن قوياً فى الغرفة فأخرج منها و ببطء أغلق الباب بالمفتاح جيداً حرصاً على ذكرياتى.
أتلفت فأجد الضباب قد انقشع و أصبح الطريق جلياً , أشاهد سيارتى ليست بعيدة كما توقعت.
أذهب اليها و أدخل أدير المحرك و أنطلق باتجاه الساحل الشمالى فى أجازة طويلة.
أنظر أمامى الى الباب فلا أجده و كأنه لم يكن له وجود ابداً